تحت رعاية مجلس العمل العراقي في أبو ظبي؛ اُفتتح مساء أول من أمس في قاعة «قباب» للفنون، معرض الخطاط المعماري العراقي طه الهيتي، ويضم المعرض «46» لوحة زُخرف أغلبها بأشكال هندسية وطبيعية من ماء الذهب، وقام الخطاط بتصنيف المعرض وتقسيمه إلى ثلاثة أجنحة يطالع المشاهد في أولها آيات قرآنية وأحاديث شريفة وكلمات للإمام علي «كرم الله وجهه»، وأغلب تلك اللوحات كتبت بخط «الثلث» الذي يسميه الهيتي «سيد الخطوط العربية وأصعبها وأجملها للمشاهد».
أما الجناح الثاني فقد عنونه الفنان بالحكم المأثورة، ويضم جملاً مروية عن السيد المسيح «عليه السلام» وأخرى للعارف الرباني أبو حيان التوحيدي، بينما كان الجناح الثالث مخصصاً للوحات تضم أبياتاً من عيون الشعر العربي الكلاسيكي والحديث، على رأسها أبيات لأبي الطيب المتنبي، وأخرى لبدر شاكر السياب ونزار قباني، وتفيض لوحات طه الهيتي بالحياة وكأن مداد القلم لديه قد ألبس تلك الحروف الصامتة رداءً روحانياً جعل المرء يشعر بأنه يسمع صوت الذكر الحكيم فيها أو أن صدى أصوات الشعراء ما زال في أثير الكون. يزاوج الخطاط الهيتي بين الحداثة وأصول مدرسة الخط الكلاسيكية، ويقول في هذا الصدد: لقد حاولت في هذا المعرض أن أكسر الجمود والتقليد الذي أحاط بالخط العربي لسنوات طويلة، وكان عامل الزخرفة التي تحتضن الحرف من جميع جوانبه هو الذي ساعدني إلى حد كبير للخروج من القوالب الجامدة للخط،، ولكني رغم ذلك احتفظت بقواعد وأساسيات مدرسة الخط العربي، ولم أخرج عن المضمون الكلي للخط العربي بأصوله وجذوره، ولا يعني ذلك أنني استخدمت الحرف لتجميل اللوحة مثلما هي حال من يطلق عليهم «الحروفيون» الذين هم باعتقادي فنانون لا خطاطون رغم أن البعض يحسبهم على عالم الخط، وبالمحصلة أعتقد أنني -وفي كل مرة أنجز فيها معرضاً لأعمالي ـ لا أحاول تكرار نفسي، وأحاول تقديم نفسي للناس والحياة بصورة مغايرة.
لُقب طه الهيتي «سفير الخط»، ومن أطلق اللقب أستاذ خط لا يضاهيه في العالم الإسلامي أستاذ آخر، هو الخطاط «عباس البغدادي» الذي يعتبر وريث عرش الخط العربي، عن مرحلة تلمذته على يد أستاذه البغدادي قال طه الهيتي: تعلمت من عباس البغدادي الصبر والتأني وكيفية التنفس أثناء الخط ومن حسن حظي إنني نشأت قريباً من المدرسة البغدادية التي يعود لها الفضل في التطور الأهم لهذا الفن، وأعتقد أن الكرة الأرضية لم تشهد ظهور خطاط بقوة وأناقة خطوط «عباس البغدادي»، أما الأستاذ الراحل الكبير «هاشم الخطاط» فهو عميد المدرسة البغدادية.
وقد قال عنه أستاذه الآمدي حين توفي «لقد ولد الخط ببغداد ومات ببغداد»، وأعتقد أن المدرسة البغدادية كانت وستبقى رائدة الخط العربي ولن تتوقف فيها حياة الإبداع، أما حول سر تعلقه بخط «الثلث» يقول الهيتي: إنني أرى في خط الثلث تحدياً إبداعياً كبيراً فكل حرف فيه ما لا يقل عن اثني عشر شكلاً مختلفا مما يعطي متعة إضافية للخطاط، حيث يمكنه التنوع في شكل الكلمات المكتوبة.
يعتقد المعماري الخطاط طه الهيتي أن سقوط بغداد بيد المغول عام 1258م، قد أسهم بشكل واضح في وأد أغلب الإبداعات الأدبية والعلمية والفنية على مدار قرون، وكان نصيب الخط العربي منها وافراً لفترة طويلة، حيث يلاحظ المتتبع لتاريخ ونشوء أنواع الخطوط العربية أنها عقمت ولم تولد أنواعاً جديدة طيلة حوالي سبعة قرون ما خلا نوعين فقط، كان «الديواني» أحدهما وكان الولاة العثمانيون يحتفظون بأسرار هذا الخط لفترة طويلة من الزمن.
ويضيف الهيتي قائلاً: لقد كان للثلاثي الذي ظهر في أواسط ونهايات العصر العباسي -الوزير ابن مقلة ـ ياقوت المستعصم ـ ابن البواب ـ الدور الكبير في نماء وظهور الخطوط العربية بأشكال مختلفة، ويبقى الفضل الأكبر لأولهم «ابن مقلة» في تأسيس أول نظرية للخط العربي وقوانينه وأدواته، حين كتب «نظرية الخط المنسوب».
يتابع طه الهيتي: تعتبر المدرسة البغدادية التي تأسست في قلب الدولة العباسية، هي المدرسة الأولى التي حافظت على الخط وأولته الاهتمام الكبير، ووضعت له النظريات والأسس، وكانت مرتبة الخطاط آنذاك عالية جداً في البلاط وبين عامة الناس أيضاً، ويؤسفنا ما آلت إليه أوضاع الخطاطين في العالم الإسلامي والعربي اليوم، وتحولهم إلى «كتبة لافتات» و«إعلانات» لا أكثر. وعلّق الهيتي ـ موافقاً ـ مع الطرح الذي يرى بأن أغلب الخطاطين الذين ظهروا في العالم الإسلامي طيلة قرون وإلى يومنا هذا هم من «غير العرب» رغم أن الموضوعة تتعلق بالخط «العربي» بشكل خاص.
ويعلل الهيتي ذلك من جانبين؛ يتعلق الأول بسيكولوجية الذائقة العربية ومكامن الإبداع في أبنائها، حيث يقول: يكاد التحليل التاريخي للآداب والفنون العربية يجمع بأن «العرب» أهل شفاهة وأدب وفن كلامي وبلاغة بحكم عوامل جغرافية وحضارية، وكانت الأمم الأخرى المحيطة بهم قد وصلت إلى أفق بعيدة في الإبداع الإنساني «الفنون البصرية» بنحو خاص، كالرسم والنحت والنقش والزخرفة وغيرها.
وحين دخلت هذه الأمم الإسلام، قام فنانوها ومبدعوها بدمج المتوارث لديهم من الفنون بالرؤية الإسلامية الحديثة ـ في ذلك الوقت ـ فكانوا مؤهلين لإبراز الفن الجديد -الذي هو الخط العربي ـ وأبدعوا فيه وظهرت أسماء مشهورة في عالم الخط، أما الجانب الثاني فهو رياضي بحت يتعلق بنسبة العرب المسلمين آنذاك بالمسلمين من الأمم الأخرى، وكان من مكانة الخط والخطاط في الثقافة العربية ـ الإسلامية أن قالوا «إن كان الشعر هو الغناء المسموع؛ فالخط هو الغناء المقروء».
أبوظبي ـ محمد الأنصاري

