من قوس مفتوح كذراع طويلة تتطلع الشندغة إلى تاريخ الموج وجغرافيا الخور لتأتي بزمنين في باقة واحدة، هي باقة البقاء الأزلي والحضور المستديم وبهجة الساحل ـ الشاهد الحليم على عصور مضتْ وأخرى ستأتي لتروي مأثرة البقاء الأعزل في دوّامة الزمان.
الشندغة حكاية لمكان. دائماً يُعاد مجدها الثاني في ذاكرة ثانية، بعيداً عن قصيدة الغوص الأثيرة وأغنية اللؤلؤ التي أتقنها بحّارة الماضي وغطاسو المياه العميقة، فلا تزال بقاياها مستكينة، حييّة، شاخصة في عصر حلّ بها ولها وعليها وحولها ودارت دورته السريعة في فلك التاريخ والأساطير وخرائط الرحّالة وحكايات البدو الجوّابين.تلوح الشندغة في مدخل خور دبي جنوباً وتمسك شريان المدينة البحري وتمتد مع الذراع المفتوح للرياح والنوارس وغناء الصيادين كأثر وذاكرة وذكرى ليست عصية على كبار السن من رواد الماضي وبقاياه، فالأثر بقي مع الطابوق البحري وجص الحيطان الكالح وسعف النخيل المتعاشق على السقوف ومدونات التاريخ الشفاهي والمكتوب في متحف الأيام البعيدة، وحتى وإنْ لم يسعفنا الحظ بالعثور على رجال الماضي الذين امتلكوا العصرين وعاشوهما بيقين البقاء المتجدد، لكن روائح الماضي الغابر وحركته لمّا تزل حيّة وباقية كأن الأمس ثابت يتشبث بمكانه الحي والزمان يدور من حوله.
من الشندغة كانت دبي - المدينة تنمو وتتكون في رحم التاريخ، متخذة من هذا الشريان الحيوي بدايتها، فهو الرابط المائي إلى موانئ ومدن تجارية كثيرة مرمية خلف البحار وكانت التجارة وسيلة مباشرة للاتصال بالمرافئ والسواحل والأمصار المختلفة، ولاشك أن الشنادغة الذين زحفوا من الصحراء المتاخمة إلى البحر الواسع امتلكوا عُدة بقائهم وألفوا حياة البحر وغوامضه المثيرة.
فمنذ عام 1862 كان المكان يتأسس ويتشكل وتنهض البيوت على ساحل الخور، يوم كانت الشمس ماءً وسماءً وصحراءَ مسفوحة بالرمل وهجير الشمس؛ وفي رؤوس رجالها أملٌ ممكنٌ باختراق البحر واكتشاف درره وفك مغاليق أصدافه العسيرة؛ فحكاياتٌ بعيدة روتها الصقور وحوريات البحر ورواها جوّابو البحار عن لمعان اللآليء وقصيد الغوص العميق.
حكاية ومكان..
للشندغة، كما لغيرها من أحياء دبي القديمة، بدايتها في تراث المدينة، ولها أسطورتها المحلية أن تتكون وتنمو على بريق اللؤلؤ وحداء البدو وصبر الصيادين في أغوار المياه؛ هكذا تنمو المدن من تجمعات صغيرة، إلى أحياء بدائية، لتصير مدناً كبيرة تتماهى مع وجودها وترنو إلى مستقبلها لمجرد أن تقبض على جمرة البحر، فمنذ منتصف القرن الثامن عشر شقت دبي طريقها عبر بوابة الشندغة، برجال الغوص فيها الذين كتبوا ملحمة البقاء المزمن، مؤسسين لمجد نتلمسه الآن بزهو ونعشق مطاولته بين أمجاد كثيرة تزدهر بها دبي الحديثة.
التجوال بين بيوت الشندغة الحالية هو اعتراف بقوة الماضي وسطوته الساحرة بأن الولادات ممكنة في أي زمان مهما كان عصيباً؛ والشندغة التي طوت الماضي الراحل بكل جدارة شخصت آثارها إلى اليوم واستمرت الحياة فيها منذ أن انتظمت في أبجدية الحياة خطوةً خطوةً وموجةً موجةً وبحراً وراء بحر وصولاً إلى أبجدية مستقبل عريض نراه متماسكاً في فضاءات دبي الحديثة؛ في عماراتها وأبراجها واقتصادها ورؤيتها إلى غد أكثر جدلاً في انطلاق المدينة إلى عالميتها الجديدة.
وهكذا فإن الشندغة مكان وحالة وحكاية نتداولها كلما كان ثمة متسع لاستذكار الماضي وإصراره على البقاء.الشندغة حارة صغيرة تلاصق أنفاس البحر وتعيش على رئته؛ درسٌ مثمر وناجح في صورته العادلة يوم كَبُر بين المد والجزر، ويوم سكنته أسرة آل مكتوم منذ أواخر القرن الثامن عشر (1896) لتزيد من إصراره على البقاء والتحدي والاتساع والوصول إلى ساحل النجاة بفرادة نادرة.
دبي ـ وارد بدر السالم

