الشاعر السوداني الدكتور عبدالكريم عبدالعزيز الكابلي، سفير النوايا الحسنة للسنة الثالثة على التوالي، يقرض الشعر ويضع الألحان ويغني، يتحدث في كل لقاءاته بعمق مغاير عن التراث الشعبي السوداني. قبل ظهوره للجمهور بدأ الغناء لأصدقائه المقربين ببعض الأغاني التي قام بتأليفها وتلحينها، كأغنية «أنشودة لآسيا وإفريقيا» التي قدمها في العام 1960م على المسرح القومي في أم درمان بحضور الزعيم الراحل جمال عبد الناصر. على هامش «الليلة العربية» التي أحياها الدكتور الكابلي، ضمن أيام عجمان الثقافية التي تنظمها دائرة الثقافة والإعلام في عجمان، التقته «البيان» في هذا الحوار:
* بعد ما كتبته على مدى ما يزيد على أربعة عقود، لماذا لم تطبع أي ديوان لأشعارك؟ وماذا تقول عما يطبع هذه الأيام؟
ـ أنا زاهد في الغناء، ولكن تحت ضغط الأصدقاء وأسرتي خاصة، سوف يصدر ديواني الأول، بعنوان «شيء من الفن» قريباً، وبخصوص ما يطبع من أشعار، أقرأ ألواناً من الكتابات بعيدة كل البعد عن الشعر، أيام شبابنا كنا نطلق على هذه الألوان من الشعر «منولوجات» والمنولوج شأنه شأن الكاريكاتير، والأستاذ نزار قباني كأن به فتح الباب وأوصده، فهو الأب الروحي للشعر الحديث، لكن كل أشعاره موزونة، أنا أطالب كل الشعراء في أي صورة من صورهم أن يلتزموا بالموسيقى، وإلا ما الفرق بين الشعر والنثر.
* مَنْ من الشعراء الأقرب لك ولألحانك؟
ـ أغني كل الألوان وأميل للشعر العمودي، مع إني أتمنى أن أغني للشاعر محمود درويش، وأغني الفصيح والدارج، غنيت لأبي فراس الحمداني «أراك عصي الدمع» ولكن باللحن السوداني، وغنيت للعقاد والمتنبي، إلى جانب أحبابي في السودان، فلدينا في السودان مجاميع كبيرة من الشعراء في منتهى الرقي ومنتهى الإقناع.
* لكن ألا ترى معي أن صوت الشعراء في السودان ليس مسموعاً كما يجب؟ أليس للضعف الإعلامي دور كبير في ذلك؟
ـ نعم، والضعف الإعلامي جزء من المشكلة، وهذا أمر غريب، لأننا نعيش في زمن، درجت على أن أطلق فيه على وسائل الإعلام إمبراطورية، وفي ظلها أصبح الأمر من اليسر والسهولة بمكان أن تصل أي معلومة، صغيرة أو كبيرة بسرعة فائقة لكل العالم.
وهناك جانب آخر، وهو عدم ميل الإنسان السوداني إلى تزكية نفسه، وأنا لا أميل إلى التعميم، ولكن النسبة الغالبة يغلب عليها الحياء، وانطلاقاً من اهتمامي بالتراث، هناك أمثال كثيرة تصب في هذا، مثل «شكار نفسه إبليس»، الذي يمتدح نفسه هو إبليس، والحديث عن النفس تزكية.
* هل الطيب صالح في انتشاره زكى نفسه؟
ـ الطيب صالح أتيحت له فرصة نشر روايته «موسم الهجرة إلى الشمال» عبر كتاب الشهر الذي كان قائماً عليه الأستاذ رجاء النقاش، أي الرواية انتشرت أولاً في مصر وليس في السودان، إضافة إلى طبيعة الرواية وما تتناوله من علاقة بين الشرق والغرب تنال اهتمام الجميع.
* وماذا عنك وعن الموسيقى السودانية؟
ـ أنا أقدم ما في وسعي، وأرجو إلا يعتبر ذلك نرجسية، فلدي موقع على الانترنت، واعتقد أنه حقق انتشاراً مقبولاً لي في الوطن العربي، أما بالنسبة للموسيقى، فهناك أيضاً جزئية في عدم وصول الصوت السوداني كما يجب، وهي اختلاف اللونية الموسيقية، نحن نتعامل مع السلم الخماسي، بينما الموسيقى العربية تتعامل مع السلم الكامل.
وفيها مقامات تصل إلى أكثر من عشرين مقاماً، إلى جانب أرباع النغمة، والأذن العربية ألفت اللونية التي ترعرعت عليها، فتجد صعوبة في هضم واستيعاب لونية أخرى، وفي المقابل موسيقانا قريبة جداً من موسيقى الدول الإفريقية المحيطة بنا.
* هل التراث السوداني بتنوعه يترك أثره في الشعر؟
ـ التراث السوداني متعدد المعاني والمواضيع، ومع ذلك يمكن إرجاع الملامح لأصولها، والباحث المتمكن يمكن أن يعرف أن هذا الملمح عربي، وهذا إفريقي، وهذا نوبي أو فرعوني، والجانب الإسلامي لعب دوراً كبيراً في قرب السودان من الدول العربية رغم حدودها من جهة واحدة فقط مع مصر، وحتى في فترة مملكة «الفونج» كان هناك تواصل مع الأزهر الشريف، والمعاني الدينية، والطرق الصوفية موجودة في كثير من الشعر السوداني، وقد كتبت قصيدة التفاحة التي تحكي عن حواء وآدم، ووصلت إلى أكثر من مئة بيت، وغنيت قصيدة المولد للشاعر محمد المهدي المجذوب التي مطلعها:
صل يا ربي على المدثر
وتجاوز عن ذنوبي
وأعنى يا إلهي
بمتاب أكبر
فزماني ولع بالمنكر
والجدير بالذكر أن هذه القصيدة قام الناقد الكبير الدكتور خليل حاوي بتدريسها في جامعة بيروت.
حوار: محمود أبوحامد
