الداخل إلى دارة الفنان التشكيلي منير اللقيس يشعر منذ اللحظة الأولى بسطوة الألوان العارمة تحلق في فضاءاتها وصولاً إلى المرسم الذي اتخذ له قاعة تضجُّ بعناصرها المتنوعة.

قبيل افتتاح معرضه الجديد «عناصر»، الذي سيقام قريباً في إحدى قاعات فندق القصر في مدينة جميرا التقينا الفنان اللقيس وهو يعد لهذا المعرض الذي لم يتذكر رقمه في مسيرته الفنية الطويلة ومع أن هذا اللقاء لم يكن مخططا له، إلا أن الحديث معه تشعب واستطال وتداخل فيه التشكيلي بالروحاني، فيما كانت الدائرة محور الحديث.ينهج الفنان منير اللقيس مبدأ الدوائر في رسوماته الجديدة، وهو الذي يرى أن الكون يبدأ في الدائرة، معتبراً أن نقاط الدوائر هي التي تشكل جماليات اللوحة لدى كلّ فنان أصيل، فالوجود مؤلف عنده في ازدواجية مضادة، فالرجل عنده هو المرأة في الوقت عينه، وكلاهما يشكلان محور الكون وارتكازه. يركز اللقيس على مبدأ الضوء وانتشاره في مساحات اللوحة، ويرى أن الظلام يمحى بالضوء، ولا يمكن أن يتم ذلك من دون الشعور أو الإمعان بالظلام..يؤكد اللقيس أن المساحات البيضاء في اللوحة هي التي توجه الفنان، وتلهمه موضوعاته، فالدوائر البيضاء في فلسفته تحدد اللوحة وموضوعاتها، كما أن الفنان يسمع بعينيه ليترجم لوحاته بأطر وروحانية، بينما يرى أن الإيمان يعطي الدفع للعنصر الإنساني لدى الإنسان ليبدع صوره وألوانه على مساحات اللوحة وفضائها.

وبالعودة إلى فلسفة الدائرة لدى منير اللقيس تبدو وكأنها هالات مضيئة تزين لوحاته الجديدة بما يمدها بمساحات من النور فيضفي عليها سحرها الخاص، فالكثير من اللوحات يحلق فيها اللونان الأزرق والتركواز (الأزرق الممتزج بالأخضر) وهذا ما يعكس ولع الفنان بهذين اللونين.

يؤكد اللقيس على أن مرحلة المخاض اللوني هي التي تشكل جمالية الفكرة بامتداداتها وتخيلاتها الصرفة، وما العناصر بتشعباتها وتكويناتها بدءاً من العاطفة والثقافة والنظر والإحساس والروحانيات سوى الجوهر الروحاني للوحة وحين يتحدث عن لحظات التألق عند الفنان فإنه يربطها بمستويين هما العلوي من الروحانيات والعلوي من الثقافي.

يقول اللقيس: اللون من عناصر اللوحة، وعلاقة اللون مع الفنان تكون ما قبل الولادة فالجنين يأخذ من والدته نبضه وغذاءه كما أن للذوق انعكاساً على اللوحة وتجربة الفنان وظروفه، وهذا ما يتغير بشكل فوري في مساحات اللوحة، وبرأيه أن تحول المنظور الفلسفي ينعكس على عمل الفنان مما يولد التحول في اللوحة وتشكلها.

ويربط الفنان الوجود الإنساني بهندسة الحركة وانبثاقها، فكل دائرة لا تتعدى مساحاتها نقطة القلم، توجد فيها حياة وكينونة في الفن. يحرص منير اللقيس على إعداد دراسة مسبقة لكل معرض أو لوحة قبل تجسيدها في إطارها، وصورتها النهائية، وهذا إن دل على شيء، فإنه يشير إلى مدى حرصه على ضبط تجربته في عمل متكامل يخصه وهذا ما يميزه عن غيره من فناني جيله. في حديثه عن الروحانيات والفلسفة المنطقية يجد اللقيس أنها موجودة في داخل كل إنسان، ولكن الفنان وحده يتمكن في تجسيدها بشفافية وإبداع.

دبي ـ سامي نيال