يزداد ولعي باستذكار سحنات الوجوه الغابرة على العكس من حركة الزمان المتسارعة وهي تمحو الآثار والشواخص والوجوه بآلات منظورة وغير منظورة . أكاد ألمح وراء كل وجه متسارع ظلاً لوجه غابر ويلوح لي وجه (يوسف الأعمى) بائع الخضر في رأس الجسر الخشبي القديم على نهر (الخورة) مع عشرات النسوة المفوَّطات المنحنيات على سلته تنتقين أصابع البامياء في صباح يوم صيفي رطب .
هذه هي وسيلتي في مقاومة المسير الخفي لتيار النهر وهو يجرف الوجوه الباهتة للآباء والأمهات والأصحاب باتجاه منعطف العدم الأخضر . أنحني وألتقط الوجوه وأحشرها في مشغلي بانتظار أن تتحرك في كتابي الأخير (بلاد الأسماء المتشابهة) . واليوم يكتظ مشغلي مشغل الغابرين الذي أقمته تحت سقيفة على ضفة النهر بعشرات الأيقونات الصلصالية التي جبلتها من طين النهر الأحمر.
تماثيلي صغيرة مرصوفة على رفوف تحت السقيفة حيث تتجاور أيقونة شريكي على رحلة الصف الأول في ( مدرسة غازي الابتدائية ) مع تمثال لطفل شريد من مدينة ( باصورا) وأيقونة سجين يرسف بأغلال الإعدام في زنزانة عام 1948 مع تمثال أسير في سجن أبي غريب .
أقبع هنا في مشغل الغابرين أنقي تماثيلي كما تنقي امرأة مفوّطة أصابع البامياء من سلة البائع الأعمى كي أقدمها إليكم قبل أن تتحرك في كتابي وتواصل حياتها المنقضية . أختار عشر أيقونات من ( بلاد الأسماء المتشابهة ) تحمل اسماً واحداً يبدأ بحرف (الميم) وأبيح لكم الاطلاع على حياتها:
(1) ميم المكاري : يظهر تمثاله في الكتاب مع حماره واحداً من مكارية سوق البصرة ودوره المسند إليه كدور ( الحمال والبنات ) في كتاب ( الف ليلة وليلة) يلهو المكاري مع البنات قبل أن تمسخه كبراهنَّ حماراً في حظيرة الحمير مع المكارية الذين سبقوه إلى اللهو مع البنات.
(2) ميم الصراف : يظهر في تمثالين متجاورين الأول في سوق الصرافين ببزته الصفراء المخططة وطربوشه الأحمر مثالاً للصيرفي اليهودي الذي يفرك فلساً نحاسياً بأصابعه حتى يجلوه ثم يسقطه في صندوق العملات البائدة.
التمثال الثاني يظهر الصراف بعد أحداث عام 1941 محمولاً في جلّة فلاح يهربه عبر الحدود إلى إيران .
(3) ميم التلميذ : تظهره الأيقونة في أول دخوله المدرسة جالساً على ركبة معلمه أمام باب الصف الأول بمدرسة الملك غازي وفي يده دمية ضفدعية أهداها له معلمه لتخلصه من إعياء لسانه .كانت الدمية تنقنق وترأريء احتفظ بها حتى تخرجه في الجامعة.
ولما حانت وفاة المعلم زاره تلميذه برفقة الدمية الضفدعية وكانت قد تعلمت نطق كلمات جديدة تسالٍ وحكم وأشعار سُرَّ بها المعلم وخففت عنه آلام الخروج من نفق الحياة الضيق .
(4) ميم المشعوذ : وفدت هذه الشخصية إلى البصرة عام 1917 مع الكتيبة الهندية في الجيش البريطاني بصحبة قرد يظهره التمثال منتشياً بالبندقبة المائلة على كتف صاحبه.
وبعد هدوء الأحوال امتهن الهندي السحر وقراءة الكفّ وحبس قرده في مؤخرة المكتب الذي افتتحه في عقد محلة ( البجاري ) . ويوم أن دخل المشعوذ الهندي الكتاب ظهرت الفتاة التي تحمل اسم (ميم القرود) وكانت آنذاك أجمل فتيات ( البجاري ) وكان المشعوذ يرسل قرده إلى أحلامها . جاءت الفتاة إلى مكتب المشعوذ وأفضت إليه بانزعاجها:(( لا أريد قرداً في حلم أرني قردك حياً أمامي )) . ثم اندفعت وأطلقت القرد من قفصه المركون في قعر المكتب . كان القرد عجوزاً في منتهى القبح ولما رأى صاحبه وثب عليه وخنقه .
(5) ميم القاتل : اسمه الحقيقي ( همبوش ) الموزون على اسم ( درموش ) عابر الجدران في قصة ( مارسيل إيميه). أما في كتابنا فيدعى ( ميم دعدوش ) اسم ابنته التي تظهر في الأيقونة مع جسد أبيها المسجى في مستشفى سجن البصرة.
أُودِع همبوش السجن لقتله زوجته وفي السجن اكتسب قدرة عبور الجدران وغطت جسده قشرة قصديرية ينفذ بها مثل سحابة مشعة خلال الحواجز الكونكريتية ويواصل جرائمه في الليالي المظلمة. كان شبحه القصديري يغادر الزنزانة ويطوف بحثاً عن دماء ضحية تطفيء غليل انتقامه . وبمرور الأيام غزت درعه القصديري ثقوب بحجم الفلس وبعدد الضحايا الذين اعترض طريقهم خارج السجن .
علم همبوش بوفاة بناته الأربع لكنه كان يجهل مصيرالابنة الخامسة (دعدوش) التي أكملت دراسة الطب ويظهرها التمثال في مشغلي تزيح الغطاء عن جسد أبيها المنخور الممدد على طاولة مستشفى السجن.
لم يخطر ببال همبوش لقاء ابنته في الرمق الأخير كما كانت دعدوش تجهل هوية أبيها الذي يحمل اسم ( ميم القاتل ) المشابه لميمات السجناء الذين كشفت عليهم.
(6) ميم البريء: توهم المحققون في هوية هذا المعتقل لتشابه اسمه مع اسماء مطلوبة للإنقلابيين.
كان هناك أكثر من مطلوب يحمل اسم ( ميم المراسل الحزبي ) في قبضة المحققين القساة.. وتظهر الأيقونة ( ميم البريء ) يقاسي ألوان التعذيب طالباً الرحمة من جلاديه.. ثم حانت لحظة الخلاص عندما اعترف واحد من ميمات المراسلين الحزبيين وقال لهم إن المراسلين يُعرفون بعلامتين : سنّ ذهبية ووشم منقط على باطن الذراع.
وما عدا هاتين العلامتين فهم يشتركون باسم حركي واحد.
بعد سقوط الإنقلابيين كشفت الصور المهربة من قبو التعذيب أجساد المراسلين الموشومة بمياسم من نار وعلى أساس صورة منها جبلت أيقونة ( مبم البريء ) في مشغل الغابرين.
(7) ميم المسافر:الرجل الذي يظهر في هذه الأيقونة لا يختلف عن مجموعة التماثيل المتشابهة الأسماء إلا بقناعه الذي يخفي هويته الحقيقية . فهو تاجر أو مهندس أو مهرج أو جاسوس . هوية غامضة أخفت اسمها وموطنها وظهرت في بلادنا بأكثر من زيّ ومهنة.
وكنت أنقل تمثاله من رفّ إلى آخر ليتلاءم ووضعيته اليومية المتغيرة في المشغل .
(8) ميم العطار :تنتصب أيقونة هذه الشخصية وسط علب الأدوية العشبية وجرار العسل والزيوت وكناشات أسماء الأعشاب النادرة . ويوم أن دخل ميم العطار مشغل الغابرين فاحت فيه روائح البلسان والكمون والسذّاب والزعفران . ويزعم ميم المسافر الذي قاده التجوال إلى دكان العطار أنه أصبح أسير بلاد الأسماء المتشابهة منذ أن ذاق إكسير (المردقوش ) من كأس أعدها له العطار في دكانه .
(9) ميم البستاني : مستشار المشغل . رجل طاعن في السن . تمثاله يتوسط التماثيل التسعة يكلم همبوش عابر الجدران بشأن وفاة بناته الأربع ويواسي ميم البريء ويدل فتاة القرود إلى مكتب المشعوذ ويسرح حمار المكاري في حديقته . وجوده لازم لإضفاء النظام والهدوء على بلاد الأسماء المتشابهة .
(10) ميم النساخ : يظهر في الفصل الأخير من الكتاب لينسق حكايات التماثيل في مشغل الغابرين ويعلق عليها في الهوامش . وما دام هذا الناسخ يكنى بالاسم المركب الذي كشفت به الشخصيات الغابرة عن حياتها أي ميم الميمات فهو أنموذجها الأعلى وناسخها الأخير ومخترعها الأوحد وتمثاله مجبول من طينة الكاتب القادم من عصور الكتابة الموغلة في تهويلات الخيال الجماعي الشفاهي لبلاد الأسماء المتشابهة.
إنه غابر يحكي عن غابرين.