هل للأرقام ثقافة؟ سؤال يشطر علم الرياضيات إلى شطرين متنافرين، يصبغ على الثاني بعداً معنوياً تدب به الحياة، ويبقي على الأول موضوعيته الجافة، وعلميته الصارمة، لكن ماذا عن الإيحاءات التي تمنحها الأرقام لذاتها في بلد دون آخر، وماذا عن الفعل المعرفي الذي قدمته وتقدمه الأرقام على الصعيد التقني، وماذا عن هوس الأرقام فيما وراء الطبيعة والسحر والحظ؟
ثورة المعلومات قامت وانتشرت عبر «الديجتال» والتحول الرقمي منح الأجهزة الإلكترونية الحديثة مجالات شاسعة من التطور في سبر المعلومات وتحقيقها وحفظها ونشرها بسرعة جنونية، وهذا هو الجديد الذي أعطى للأرقام بعداً عالمياً واحداً، ومنحها مفاهيم خاصة، وإن لم تشكل بمظهرها الحديث ثقافة بعينها لأن الشطر الأول من علم الرياضيات مازال يطفو مع المبحرين عبر الشبكات، إلا أنها قدمت للثقافة الكثير الكثير الذي بات يدركه الجميع من خلال حصولهم على ما يريدون من المعارف عبر كبسة زر.
وتنشطر الأسئلة من جديد وتتشظى، عدد الشظايا يعيدنا لوهلة الرقم، لكن صبوة المعرفة تعود بنا دائماً لبعدها الإنساني، لصانعها الأول وأسئلته عن إيحاءات الرقم ذاته في خرائط الانتماءات.. لماذا يكون رقم خمسة لسيارة أغلى من سعرها بأضعاف في بلد ما، ورقماً لسيارة شرطة في بلد آخر؟ ولماذا في عالم الاستهلاك، يصير الإنسان متكرشاً ومطأطئاً رأسه كالديك المذبوح، تماما هكذا كالرقم " 5 " المميز ؟ هل هي ثقافة الغربة أم ضريبتها حسابياً؟ لماذا يكون دلالة على حظ برج ما والأقرب للرقم الأعلى في حجر النرد ؟
ولماذا يكون الرقم واحد بداية العد وبداية التمييز، ويكون مشاعر وحدة وانطوائية وعزلة ؟
ولماذا يمكننا كتابة سبعة وسبعين مجلداً عن الرقم سبعة بغض النظر عن الشمعدانات السبعة والإشكاليات الحسابية، بينما الرقم تسعة الملامس للوصايا العشر، وسهولة التعامل معه ومع مضاعفاته التي تؤلف متوالية رياضية سرمدية الحسابات، لا يلقى من يلتفت إليه إلا من قبل صاحب حظه في الأبراج، أو رابحه في لعبة القمار؟ لماذا الرقم «13» كالبوم، مصدر تفاؤل في بلد ما، وتشاؤم في آخر؟ أي مرجعيات اجتماعية ودينية وتاريخية بلورة تلك الأعراف؟
هل سيأتي يوم تتحول فيه الإيحاءات والدلالات إلى ثقافة لها مقوماتها وأسسها، طالما أن للغيب فينا حيزه الدائم؟ وماذا عن العلم، هل سيفند دائماً، عبر موضوعية الأرقام، ترهات الوهم وفبركات النصب؟ وهل سيواجه صناع الأرقام في تجييرها لصالحهم والتلاعب فيها حتى رياضياً ؟
آخر تلاعب رقمي جاء عبر «رويترز» هو أن وزارة الطاقة الأميركية ترى دولة الإمارات الفتية أكبر ملوث للبيئة في العالم من خلال انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون منها والتي تصل إلى معدل 9 ,55 طنا متريا للفرد الواحد، بينما الولايات المتحدة 2 ,20 واستراليا 4 ,19 وكندا 1,18 وهولندا 4,16 وبروناي 6, 15 وبلجيكا 3, 14 والسعودية 2, 14 وجزر البهاما 14 مقارنة مع الاتحاد الأوروبي 46, 9.
والمفارقة المذهلة أن هذا التلاعب تم ثقافياً من خلال إنسانية الحفاظ على البيئة، ورياضيا من خلال إقران التلوث الكربوني بدخل الفرد في العام وعدد السكان، لذا لم يكن غريباً ـ عبر هذه الخدعة ـ وضع الإمارات في مقدمة الملوثين في العالم لقلة عدد سكانها الأصليين بغض النظر عن أعداد المقيمين فيها، لكن الغريب أننا لم نسمع ردوداً شافية أو مضاعفة، رغم أن هناك جدولا للضرب يضاعف الأرقام.
