تأبى الحضارة إلا أن تؤكد عبقريتها فلا تكمن مظاهرها في ما تركه الأقدمون من مؤسسيها من آثار وحسب، وإنما في الجهود المستمرة لكشف المزيد والحفاظ عليه لإيصاله للأجيال المتعاقبة. ومنذ أن قامت أول بعثة أثرية عراقية في أعمال التنقيب العام 1973 م في موقع مليحة الذي يبعد عن مدينة الشارقة 50 كم شرقا.
والأعمال لم تتوقف أو تقل، والمكتشفات تتواصل حتى استلمت البعثة الأثرية المحلية التابعة لإدارة الآثار في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة مسؤولية التنقيب منذ العام 1993 م وحتى اليوم، وقد تم اكتشاف آثار مهمة منها المدافن والمباني التذكارية وورش العمل والكتابة واللقى الأثرية التي تؤكد على عمق حضارة هذه المنطقة وأثرها في التاريخ الإنساني.
1ـ موقع مليحة:
ومن أهم الاكتشافات المثيرة في موقع مليحة العثور على قبر ضم جملا دفن جنبا إلى جنب مع حصان بكامل عدته المكونة من عشرة أقراص ذهبية، إلى جانب وجود مبان مهمة تمثل إما بيوتاً بسيطة أو مباني كبيرة متعددة الغرف تحتوي على ساحات داخلية. كما تم الكشف على مبنى ذي أرضية مطلية بالبلاستر وصف بأنه قصر.
وتم العثور على أدلة أثرية كشفت أن الكتابة العربية الجنوبية قد دخلت مناطق الساحل الشرقي ووصلت إلى موقع مليحة منذ القرن الثالث ق.م كما تم العثور على شواهد قبور حجرية نقشت عليها كتابة عربية جنوبية وكذلك مواد أخرى احتوت نقوشا آرامية. ويأتي العثور على ثلاثة قوالب لسك العملة بالأهمية ذاتها.
حيث وجدت مع كمية كبيرة من خبث النحاس داخل مبنى الحصن مما يشير إلى أن العملة كانت تسك محليا في نفس الموقع. هذا إلى جانب العثور على عدد كبير من المسكوكات بقيمة (تتراد دراخما) أي الدرهم ذو القيمة الرباعية. وكانت هذه النقود قد أدخلت إلى شرق الجزيرة العربية ووادي الرافدين من قبل الاسكندر الكبير واستمر تقليدها بعد ذلك من قبل خلفائه السلوقيين والحكام العرب.
كما أظهرت تنقيبات مليحة كمية كبيرة من الفخاريات تمثل أنواعا وأشكالا مختلفة تذكر بعض الفخاريات بأنواع هلنستية في منطقة شرق السعودية، و جرار (الافعورا الإغريقية) يحمل مقبضاً ورسم على إحداها اسم القاضي (ارستونوس) وتاريخ الصنع (ثيو مفوريوس) حسب التقويم الرودوسي ويؤرخ ما بين 182، 176 ق.م.
ويضم موقع مليحة القديم مستوطنا زراعيا واسعا يحتوي على آثار تعود إلى الفترات التالية للعصر الحديدي والفترة الهلنستية وما بعدها. ويشير السجل الأثري إلى أن أقدم البقايا المكتشفة في موقع مليحة تعود إلى حوالي 300 ق.م. أما القبر المكتشف من قبل البعثة الأثرية المحلية في الموقع في العام 1998م فتعود بالتاريخ القديم إلى العمق وهو الألف الثالث قبل الميلاد. وقد تم اكتشاف هذا القبر داخل إحدى مزارع النخيل وقد شيد وفق الطراز المعمول به خلال فترة أم النار وكان مخصصا لأغراض الدفن الجماعي.
يتكون من بناء دائري الشكل يبلغ قطره 85,13 مترا ويعتبر ثاني أكبر قبور فترة أم النار وشيد على أساس دائري الشكل من الحجارة غير منتظمة، وهو ذو واجهة معمولة من أحجار كلسية مهذبة ذات أشكال منتظمة. ويؤدي المدخل إلى ممر يفضي إلى ثماني وحدات أو حجر دفن ذات أرضيات مرصوفة بألواح حجرية مسطحة. وتم العثور داخل حجر الدفن على بقايا عظمية مع مجموعة من لقى أثرية.
مثل الأواني الفخارية المصنوعة والفخار ذي اللون الرمادي المحزز المستورد وأوعية حجرية مزخرفة وسكاكين برونزية ورؤؤس رماح وحلي زينة شخصية. ومن الصفات اللافتة لهذا القبر وجود قطعة حجرية طويلة كانت تؤدي وظيفة المزراب لتصريف المياه المتجمعة على السقف، ونظرا لأهمية هذا القبر لكونه الأول الذي يكتشف في أراضي إمارة الشارقة حتى هذا اليوم فقد تم إعادة بنائه وفق مخططه الأصلي وبنفس المواصفات تقريبا التي كان عليها خلال تلك الفترة الزمنية.
2ـ تل ابرق:
أما تل ابرق الواقع عند الخط الحدودي الفاصل بين إمارة الشارقة وأم القيوين بالقرب من الطريق الرئيس المؤدي إلى إمارة رأس الخيمة ويرتفع إلى مسافة 10أمتار فوق مستوى السهل المجاور، ويتكون من بيوت معمولة من سعف النخيل تحيط بحصن ضخم مشيد باللبن بواجهة حجرية، يبلغ قطره 40 مترا ويرتفع إلى مسافة حوالي 8 متر من مستوى الأرض الأصلية إلى أعلى الجدران الداخلية. ويحتوي الموقع بئرا يوفر ملجأ ومصدرا مائيا في أوقات الشدة، لقد كان الحصن قيد الاستعمال من حوالي 2200 إلى 1500ق.م.
فاطمة محمد الهديدي