أعماله المسرحية أضاءت خشبة المسرح وأدهشت جمهوره منذ الستينات إلى الآن؛ عراب المسرح اللبناني شكيب خوري يحن اليوم إلى تلك المرحلة وقلق على العولمة وخائف على المسرح. يرى ان جمهوره تسكنه المشاكل الحياتية المليئة بالتشنج والمظالم والدماء لدرجة بات ينصح تلاميذه التوجه نحو مهنة تطعم خبزا على الرغم بان كل فعل ثقافي وابداعي هو انعكاس عام للازدهار الوطني الشامل «البيان» التقته في هذا الحوار:

* أزمة الصالات في لبنان ما تأثيرها على المسرح وكم انخفضت نسبة المسرحيات؟

ـ كل شيء يتأثر بالوضع السياسي العام. عدد الصالات هو انعكاس على الازدهار والاطمئنان ففي حالة الخوف والقلق والاضطراب تلقائيا تنكمش الناس عن الخروج من البيت وبما ان المسرح نوع من الكمالية الثقافية لنخبة من الجمهور الواسع فانه سيتأثر بهذا الاحجام سيما ان الدولة لا تدعم المسرح وبطبيعة الحال سيغلق بسبب الافلاس.

مثلا خلال الاعتصام في مدينة بيروت كانت هناك برمجة لثلاث عشرة مسرحية تقدم خلال فترة وجيزة في مسارح بيروت ولكن أجل عرضها بسبب الأوضاع الراهنة فمنذ مقتل الحريري إلى اليوم وانا أتوقف عن البدء بعرض مسرحيتي الزير والدكتور فوست.

* ماذا تتناول رواية الانطاكي التي انتهيت منها؟

ـ رواية الانطاكي تلقي الضوء على إنسان وعى ذنوبه وأراد ان يتطهر منها بإعطاء ما يملك لضحاياه أو لاعمال الخير ويتخذ طريق الحرير حيث يأخذ جمله ويدخل الصحراء بدون بوصلة وهذا نوع من المرض حين يتجه ويحاول اكتشاف طريق الحرير الذي يتبادلان فيه هو وجمله الخبريات والذكريات وأيضا يتقاتلان ويتصالحان إلى ان يصل إلى المكان الذي يعتقد انه ذهب اليه من آلاف السنين، وهذا كله من صنع الوهم وخيال إنسان مريض ويكتشف أخيرا انه في المستشفى وهو مريض الحرب اللبنانية التي كانت سبب ثروته وبقيت الوشم المؤلم في جسده.

* هل أنت مع الدولة في التدخل وتوجيه البرامج وان تملي إعلامها؟

أنا ضد الدولة في ارشاد وبرمجة الاتجاهات المسرحية والا في هذه الحالة سنصبح كمن يخضع لدولة موجهة سياسيا ومؤسساتيا فيخسر من يخضع لشروطها آراءه وخياله.

* برأيك لماذا تراجع الجمهور اللبناني بعد ان كان لديه حب المعرفة والمناقشة وتقييم الاعمال؟

كانت هناك طبقة من الشباب المثقفين تحب القراءة وتريد ان تماشي التحولات الفكرية والفنية وكنت في ذلك الوقت أراهن على الجيل الذي كان يحضر ويناقش ومع مجيء الحرب تغيرت ديموغرافية بيروت وانحسرت الاهتمامات الثقافية بشكل قوي سيما ان مسرحياتي ان كانت ترجمة أو اقتباساً أو تأليفاً كانت موجهة إلى سن لم يتجاوز العقد الرابع وهو الجيل الذي يتفاعل مع المستجد اما اليوم فقد ضاقت مساحات الندوات واللقاءات وانطفأت أنوارها وحل مكانها موضوع الرغيف والسياسة لذا هناك محاكمة لا واعية.

تحاكم جيلنا ربما لأنه لم يستطع ان يغير الكيان السياسي كما غير في الكيان الفكري والثقافي والفني.

* هل أزمة المناخ الفكري والديني والسياسي والاجتماعي تنعكس على المسرح؟

الأزمات والحروب لا تأتي إلا بالانحطاط، أية حرب تدق أعمدة المجتمع والعدالة والتربية وتدمرها ويفتقد لها الوطن فلا يعد هناك إلا الضياع.

* متى يتفجر الإبداع؟

الإبداع يحتاج إلى استقرار وانا عكس الذين يدعون بان العذاب والقهر والجوع والتشرد هي أسباب لتنشيط الخيال المبدع؛ في كل الحضارات العظيمة بدون استثناء حيث كانت الرفاهية والازدهار ولد الابداع الخالد. الاضطراب والمصير المهدد لا يخدمان فعل الابداع لان الابداع حالة تتواصل مع النفس الهادئة المطمئنة الساكنة المتصالحة مع بحثها عن ذاتها المبدعة؛ الإبداع يأتي من اشارات مختزنة في اللاوعي دون استثناء وتملي نفسها عليك.

* هل انت قلق من العولمة سيما انك تطرقت لها في مسرحيتك (كباريه) وعبرت عن شراستها في الفخ القداس الأسود وأخيرا في موانئ الحنين؟

انا قلق من العولمة عندما تلغي الخصائص الحضارية والتفرد وتسلع العام مثلا هناك العام يقدم فلسفة حياة محددة وعامة يسلع بضائع؛ يسلع فكراً، يوحد ويقرب الحضارات من بعضها عبر أنماط حياتية. موانئ الحنين هي رفض لهذا الاستنساخ وهذا التوحيد بكيفية الحياة والاختيارات وقبول الوصفات الفنية بل أكدت على خصوصية الإنسان وحضارته. ايجابية العولمة تكمن إذا سمحت للإنسان ان يعبر عن ذاته وقدراته.

* هل المسرح يطعم خبزا؟

كل طلابي انصحهم بعدم تعلم المسرح لأنها مهنة ناكرة للجميل ولا تؤمن معيشة الإنسان وضمانته لننسى المشاهير ونتذكر الآلاف الذين ينتظرون رنة التليفون لدور كومبارس ولكن النصيحة لا تفعل مع الشباب كما لم تنفع نصيحة والدي معي.

* إلى ماذا تدعو المسرحيين؟

ميدان المسرح هو ميدان للموهوبين كل فن أدائي لا يسمح ولا يعطي الفرصة للثاني والثالث بل يختار الأول والانجح لذلك المسرحيون الشباب يجب ان يتوقعوا ان مجالات العمل امامهم ضيقة طالما المنتج يبحث عن الأبرز لكن هذا لا يعني ان المسرح سيتوقف أو ينحصر في هذا المنطق طالما هناك حركة أو ولادة طبيعية للمبدعين.

بيروت ـ رانيا غانم