كتب جمال ناجي عدة روايات منها :مخلفات الزوابع الأخيرة، الحياة على ذمة الموت، وقت، الطريق إلى بلحارث، بالإضافة إلى عدد من المجموعات القصصية. اما الجوائز التي حصل عليها فابرزها :الجائزة التقديرية لرابطة الكتاب الأردنيين عام 1983 وجائزة الدولة التشجيعية للرواية عام 1989 وجائزة تيسير سبول للرواية عام 1994. وأشار في هذا اللقاء إلى ان المرأة هي التي تنتصر في نهاية المطاف وهي التي تستمر في الوقت الذي يتوقف فيه الرجل. كما انها بلا شك تشكل حالة الهام وتفجير للكثير من الافكار وتفتح الكثير من البوابات الموصدة امام الروائي موضحاً ان علاقات الحب التي يعيشها الروائيون عادة ما تترك بصماتها على كتاباتهم... وهذا نص الحوار:
ـ صدرت لك مؤخراً مجموعتك القصصية الثالثة «ما جرى يوم الخميس» ما هو الأسلوب الذي ميز هذه المجموعة؟ وعلى ماذا ارتكزت؟ ـ ما جرى يوم الخميس« هي المجموعة الثالثة التي أصدرها بعد مجموعة «خالي الذهن» ورجل بلا تفاصيل والمجموعات الثلاث تنتظم ضمن أسلوب قصصي اعتقد انه يختلف إلى حد ما عما هو متداول وخصوصاً المجموعة الأخيرة التي ترتكز بكل قصة فيها إلى حدث متوتر لا تنكشف نهايته الا في السطرين الأخيرين، وهي نهايات كما اعتقد مفاجئة للقارئ وخارجة عن نطاق توقعاته أثناء القراءة.
يضاف إلى ذلك اذا سلمنا بنجاح هذه المجموعة من خلال ما كتب عنها فان الأسلوب المتبع في كتابة القصة مبني بالدرجة الأولى على الحدث ومفارقاته وابعاده وليس على التهويمات اللفظية التي غالباً ما تريق الأفكار الخلاقة وأقول هنا إن مثل هذه الاسترسالات والتهويمات يمكن ان توجد في أجناس أدبية أخرى كالشعر والرواية وبعض النصوص ولكنها بالقطع لا مكان لها في القصة القصيرة. وهذا الفهم تمثل بشكل جلي في «ما جرى يوم الخميس» ومن هنا استطيع القول إنها حصلت على الكثير من الاهتمام ووزعت بشكل جيد وكتب عنها الكثير من المواد النقدية داخل الأردن وخارجه.
عموما فقصص المجموعة تنمو باتجاه أعماق النفس الإنسانية هناك حيث تكمن التفاعلات الحقيقية والصادقة التي لا تخضع لمحاولات التزيين اللفظي أو عمليات الادعاء الظاهري وإنما الحقائق الأكثر صدقا في البناء النفسي للإنسان وهي تمثل بشكل ما المسكوت عنه في دوافع السلوك الإنساني. ـ إلى أي حد حاولت تفكيك المظاهر الاجتماعية وإبراز الفضول الإنساني في هذه المجموعة القصصية ؟ـ مجموعة «ما جرى يوم الخميس» لها قصة خاصة القصة التي تحمل اسم المجموعة فقد ترددت كثيرا قبل ان اكتبها بعد ان كتبت مقالا في احدى الصحف المحلية تناولت فيه جانبا منها وكان هذا المقال بمثابة بروفة للقصة الأساسية وقد استفدت من ردود الفعل التي تلقيتها بعد نشر المقال.
والقصة تتناول تغول الفضول الإنساني وسيطرته على الاهتمامات الأخرى الأكثر جدوى في الحياة، إضافة إلى التمظهر الذي تحول إلى جزء من الحياة المدنية وهذا أمر مؤسف وفي هذه القصة تحديدا لم أضع نهاية تشفي غليل القاريء بل تمكنت هذه القصة من بلبلة القاريء ودعوته إلى التساؤل عن حقيقة ما جرى يوم الخميس إلى حد أني تلقيت الكثير من المكالمات التي يسألني أصحابها عن «ما جرى يوم الخميس» وهو ما أكد لي ما ذهبت إليه القصة من تغول الفضول الإنساني حتى لدى القارئ وهذه المكالمات اعتبرها استكمالاً لما تضمنته القصة وتأكيدا عليه.
ـ نلمس تحولا في تقنيات القصص لديك خاصة في مجموعتك الأخيرة ، إلى أي مدى تتفق معنا حول ذلك؟
ـ احتفظت بأسلوبي القصصي على مدار المجموعات الثلاث لكن «ما جرى يوم الخميس» تعد تطورا للتقنيات القصصية في المجموعتين السابقتين دون أن يعني هذا تحولا أسلوبيا فأنا مصر على التقنيات الفنية القصصية التي ربما تميزنا في هذا الحقل الأدبي.
ـ في قصتك «رجل لا يحسن الحب» تكشف عن علاقة سيكولوجية معقدة ومدمرة في التعامل بين الأب وابنه.. ماذا أردت من هذا الاشتباك في العلاقة؟ ـ في قصة «رجل لا يحسن الحب » يكره الأب ابنه دون أن يدله عقله الظاهر على أسباب هذا الكره وفي الوقت ذاته يشعر الأب بالذنب بسبب هذه العلاقة المتوترة بينه وبين ابنه ويتساءل باحثا عن الأسباب التي تدعوه إلى الضيق بهذا الابن لكنه لا يهتدي إليها وحيث إن الأب يعاني أصلا من مشكلة مع الطيبة والبراءة التي أدمت حياته فان طيبة ذلك الابن لا تشفع له بل إنها تتحول إلى مصدر رئيسي لهذا الكره، وفي نهاية القصة بعد أن يتبين أن الأب يكره نفسه أيضا بسبب طيبته وبراءته السابقة التي أدت إلى خسارته المتكررة يكتشف عن طريق احد أصدقائه أن ابنه الذي يكرهه إنما هو الوحيد من بين أبنائه الذي يشبهه الأمر الذي يتحول إلى ما يشبه الانتقام من البراءة والتخلص من الشبيه الذي هو الابن الطيب.
ـ ما الفهم الذي حاولت أن تقدمه عن المجتمع المدني ورجالاته ونخبه في قصة مجتمع مدني؟ من خلال احتكاكي بالمجتمع المدني يتبين لي أن هنالك زيفاً يستحكم في فهمنا لمسألة هذا المجتمع وتطوره، والممارسات التي تكرس مفهوم المجتمع المدني انه مجتمع متآمر على نفسه وقائم على الصراعات الصامتة ومحكوم بالمصالح والحسابات الشخصية أكثر مما هو مكرس لخدمة الجماعات وهذه القصة حاولت كشف جزء من هذه الحقيقة دون ان تتنكر للذكاء الخبيث «الذي يميز نخب المجتمع.
ـ من اين تستقي مادتك القصصية وتفاصيل شخصياتك ؟ ـ التفاصيل الملقاة على الارصفة التي لا ينتبه اليها الناس وتلك التي يمكن التقاطها في سياق العلاقات الانسانية واللقاءات الاجتماعية والتفاعلات بين الافراد في ظروف معينة هذه هي مادتي القصصية ولكن مهمة القاص ان يستدل على الحدث المشحون والمتوتر ويلتقطه لكي يوظفه في سياق عمله القصصي وهذه المهمة بالمناسبة غاية في الصعوبة.
ـ بماذا تصف الكتاب الذين يعتمدون في قصصهم على اللغة الشعرية إلى حد تعملق اللغة على حساب الأحداث والشخصيات ؟ ـ اذا كان لي ان اتقدم بالنصح إلى الزملاء الذين تتغلب في قصصهم اللغة على الحدث فإنني انصح بان يتم التركيز على الفكرة أولا من حيث تكثيفها ومحاورتها قبل الكتابة وعلى ادارة هذه الفكرة قصصيا ومن ثم المثابرة على تتبع الحدث بلغة بسيطة دالة مكثفة مع امتلاك جرأة التخلص من كل الزوائد اللفظية حتى لو كانت هذه الألفاظ والعبارات متميزة أو أرشيفية او انها تروق للكاتب، هنالك هامش مهم لمن يريد ان يكتب القصة وهو هامش التضحية بما لا لزوم له في القصة سواء على مستوى اللغة او حتى الأحداث التفصيلية التي يمكن الاستغناء عنها دون الإخلال ببنية القصة القصيرة.
ـ كتبت القصة القصيرة والرواية وثمة من يقول ان القصة تمرين أولي لكتابة الرواية، كيف تنظر إلى هذه المسألة ؟ وما هي التقاطعات التي تتحاور فيها القصة مع الرواية عندك ؟ ـ على خلاف الزملاء كتاب القصة والرواية فانا بدأت روائيا حينما اصدرت روايتي الأولى الطريق إلى بلحارث عام 1982 ثم كتبت بعدها ثلاث روايات وبعدها بدأت كتابة القصة القصيرة بمعنى ان الانتقال عكسي بالنسبة إلى تجربتي فالمعروف ان البداية تكون مع القصة القصيرة ثم ينتقل الكاتب إلى طور الرواية ونظراً لكتابتي لهذين الجانبين الابداعيين المختلفين فقد لجأت إلى الفصل التام بين ما هو روائي فيما اكتب وبين ما هو قصصي،
هنالك ادوات خاصة لكتابة الرواية استخدمها اثناء الكتابة الروائية لكن اذا انتقلت إلى كتابة القصة القصيرة فإنني أضع تلك الأدوات وربما اغسل يدي من اثارها لاستخدام الأدوات الخاصة بالقصة القصيرة والتي تختلف تمام الاختلاف عن تلك التي تخص الرواية فلا استطيع تقبل اي خلط بين الرواية والقصة وارى في القصة كيانا له نظمه وقوانينه الداخلية ولغته التي تختلف كثيرا عن تلك التي تخص الرواية.
ـ أين المرأة في كتاباتك؟ ـ بدون شك المرأة موجودة في كل ما كتبت وهي المرأة بقوتها وضعفها بجمالها وقبحها وطبيعتها، المرأة تقودني إلى موضوع رواياتي لكن هنالك حقيقة لا استطيع الهروب منها وهي بالمناسبة موجودة في رواياتي وهي المرأة في نهاية المطاف التي تنتصر وهي التي تستمر في الوقت الذي يتوقف فيه الرجل وهذه ميزة تتمتع بها المرأة ليس في الروايات فحسب بل في الحياة عموماً. ولا شك فإن المرأة تشكل حالة الهام للكثير من الأفكار فهي التي تغذي هذه الأفكار وتثيرها وتفتح الكثير من البوابات المنسية والموصدة امام الروائي ولذا فان علاقات الحب التي يعيشها الروائيون عادة ما تترك بصماتها على كتاباتهم ولا يحق لنا ان نكابر ونعزو كل ما نكتب إلى قدراتنا الإبداعية فثمة شريك أساسي للكاتب هو المرأة.
