يُعد الشاعر محمد بنيس ومن خلال منجزه الشعري أحد أولئك الذين استطاعوا أن يجنحوا بالقصيدة العربية عامة والمغربية خاصة إلى مكانتها الحقيقية لما تمثل قصيدته من سمو ورقي شعري يتمثل في التدفق وحرارة الانفعال وما يصاحبهما من نبوءة تداهم شرارة يقينه المعرفي المنطلق سوية مع تحليقه التعبيري والمشهدي ومتانة عاطفته المتأججة بالمثابرة وعمق التساؤل والعبور إلى ضفاف النص الشعري المتميز الذي ينتجه منطلقاً من مخيلة واثقة تلامس في تحليقها تلك اللغة المطرية التي تصوغ للموقف البكر دهشة شعرية تنحت لروح الكتابة مواجعها الدافئة.

من خلال تلك العودة السحرية بالشعر إلى عوالمه الداخلية والكتابة بلغة لا تخضع لسلطة المألوف بل تواصل تحليقها المبهر عبر ألسنة الدلالات والعناصر المتفجرة من بذور النص وحقول مخيلته الواسعة في التلويح بأكف الكشف والتنقيب عن كل ما هو جوهري وإنساني ذو طابع له نكهته الخاصة ودفؤه من خلال تلك النوافذ الجمالية المتحررة من سلطة الحياة وضغوطها العاطفية وجنوحها نحو الغوص بالآخر وبالذات التي تتنفس ملح الآخر إلى كل ما هو مثمر وبهي، ففي شعرية محمد بنيس تشكل القصيدة أحداث واقعها المتصارخ تحت جمرة الحراك، لهباً من التنقيب والمفاضلة، بل موشوراً من الحدس والتأمل والانطلاق،

وكأن ضوءاً ينهمر منها، يقتحم حرائق الروح وينتشلها من ركامها الحديدي الكبير، عن طريق إيحاءاته المثمرة ورمزية عناصره التي ترسم بظلالها الرخامية فلسفة حدثه الذي ينشد والذي تخلقه لغته المطرية الهائلة لتمنحه ما يشاء من أساطير وفتوحات ذهنية ومعرفية تمتزج بواقعها المعاش والمتخيل وبتقنياتها السردية الحاضرة بقوة على جسد النص من ارتداد ومونولوج داخلي ومشاهد حوارية لها لذتها المميزة وملحها الخاص، لتسير بعطايا سحابها إلى تلك الأوردة الناطقة بالشعر وأعاصير الشعر.

فالحياة في القصيدة، هي الموت في القصيدة، وكلاهما ينتجان حياة ما من خلف ضفة ما، نبصرها أو لا نبصرها، الحياة في قصيدته، هذا ما يتنفس به محمد بنيس وينشده بوهج على حروفه المبتلة بغنائم الحبر، ففي ( المكان الوثني ) ومن على تخوم صرخاته التسع التي جاءت على شكل قصائد من عطش وافر يرقد في أرض القصيدة وبستانها العذب عبر نور أزلي تصاعد منه نوافذ أزمنة مرة، مبشرة بنهوض نهارات واثقة من لون سحابها حين تنعم بشمس الهطول الوفية، وهي ترتسم بقوة إرادته المتجددة وتمرده الملحمي في نصوص تجهش بالطمأنينينة والتمزق والرواء في آن واحد، هو ان نصوص الصبر والمثابرة والحصاد النبيل، من ذاكرة تعتنق الماء والصخر والتراب، ملاذاً حقيقياً لخصوبة أمله المقذوف فوق أعناق نصوصه، وعنفواناً صادقاً لمحراب الكلمة الباسقة، وانبعاثاً إنسانياً لمأوى القلب الذي بات قاب دمعتين أو ضحكتين من جنائن فاكهة التعب المقدسة التي يبذرها الشاعر المثابر محمد بنيس، طائر القصيدة وراعي لغة الماء.

قاسم سعودي