قال الشاعر الإماراتي كريم معتوق إن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات قد شهد «موتاً إكلينيكياً» في المرحلة السابقة، وهو أمرٌ يؤسف له لأن هذا الاتحاد كان في فترة سابقة أحد أبرز المراكز الثقافية في الإمارات من حيث النشاط والتفاعل مع المشهد الثقافي والاجتماعي الإماراتي، وأنه سيعمل جاهداً مع الوجوه الثقافية الحالية والمثقفين الإماراتيين والعرب الذين انسحبوا من دائرة الضوء في السنوات الأخيرة، على بث الروح والحياة عبر عمل جماعي مشترك ليعود هذا الاتحاد إلى موقعه الطبيعي في الحياة الثقافية الإماراتية.

وأن الفشل والنجاح في العمل الثقافي هو قضية مشتركة لا تحسب لشخص بذاته، كما انتقد معتوق ـ الذي انتخب قبل فترة وجيزة رئيساً لاتحاد كتاب وأدباء الإمارات فرع أبوظبي ـ الدور البيروقراطي الذي تلعبه بعض المؤسسات الثقافية المحلية في إقصاء اتحاد الكتاب وتهميش دوره في الحركة الثقافية المتنامية التي تشهدها البلاد، وأكد أن الثقافة لا تقوم على «استيراد» الثقافة الخارجية فقط والترويج لها، وإنما بتصدير الصوت والثقافة المحلية إلى «الآخر» لإنشاء توازن في العمل الثقافي المفقود في عمل أغلب المؤسسات الثقافية الإماراتية.

وأضاف الشاعر كريم معتوق في حوار خاص لـ «البيان»: لقد تم انتقاد اتحاد كتاب وأدباء الإمارات بشدة في الجلسة العمومية التي انعقدت قبل أيام وأفرزت مجلس الإدارة الجديد، وأن الأصوات المغايرة ـ ورغم احترامنا لها ـ لم تستطع التغيير حين ترشح خمسة أعضاء سابقين لمجلس الإدارة الجديد، وأعتقد أنها حالة صحية أن يكون هناك مشهد للاختلاف والمغايرة في كيان واحد من أهم المراكز الثقافية في الدولة، ولكني أؤكد مع ذلك أني «لا أملك عصا سحرية» لتغيير خط اتحاد الكتاب ـ وأتحدث هنا عن فرع أبوظبي ـ ولكني قدمت بدافع الحب لهذا الاتحاد الذي حملتُ مع زملائي كراسيه وشاركنا في تعليق اللافتة واللوحة التي تحمل اسمه في مقره السابق، ويحزنني ما مر به هذا الفرع من تهميش وقلة نشاط أشبهه «بموت إكلينيكي».

وأستطيع الوعد بعد تسلمي لرئاسة فرع أبوظبي بتنشيط الحركة الثقافية في العاصمة ما استطعت وفق عمل جماعي يشترك فيه الجميع دون استثناء وبمشاركة المؤسسات الثقافية الأخرى، أما مجلس الإدارة العام؛ فأنا أحد أعضائه، والفشل والنجاح يحسب لنا جميعاً.

وحول اتساع الحركة الثقافية في الإمارات عبر المؤسسات والمراكز التي انطلقت خلال السنوات القليلة الماضية ودور اتحاد الكتاب ضمن هذه الحركة؛ قال كريم معتوق: إن جميع ما يجري في الدولة من نشاط وحركة ثقافية يجب أن يدخل فيها اتحاد الكتاب كطرف فعّال وواجهة للعمل الثقافي الإماراتي، وأن تكون العلاقة بين الاتحاد وهذه المؤسسات علاقة تكاملية لا تنافسية أو إقصائية.

ولا شك أن هذه المؤسسات ستكون هي المستفيد الأول من هذا التكامل في العلاقة كونها ستضفي على نشاطها وفعالياتها صبغة وطنية تبحث عنها، ويجب ألا يقتصر دور هذه المؤسسات على جلب الثقافة الخارجية بل تساهم بواقعية وبصورة عملية في توريد وطرح الثقافة المحلية لمن تحتك بهم من مراكز أجنبية وعربية، باعتبار أن الثقافة الإنسانية بمعناها الشامل هي التزود من الثقافات الأخرى والتأثر والتأثير بها.

وهو ما لا تفعله المؤسسات الثقافية حالياً، وأقولها بصراحة إن القطيعة والفجوة في العمل الثقافي بين الهيئات والمؤسسات الثقافية الرسمية والأهلية أو العامة ما زالت تتسع وتفتقد للعمل المشترك وهو ما يربك العمل الثقافي ويشتت جهود العاملين فيه، وإننا في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات لن نستسلم وسنبقى نطرق جميع أبواب هذه المؤسسات للتواصل والتنسيق، ولن نقبل بعد اليوم بالتهميش والإقصاء والجفاء، وسنطرح جميع ما يواجهنا في ذلك في جميع وسائل الإعلام في الدولة دون ملل.

كما تطرق كريم معتوق في حواره إلى عدة قضايا أخرى تخص المشهد الثقافي الإماراتي والعربي وتجربته الأدبية، وهذا بعض مما جاء في الحوار:

ـ يلاحظ في السنوات الأخيرة تراجع ملحوظ للنتاج الأدبي الإماراتي مقارنة بفترة الثمانينات وتسعينات القرن الماضي؛ ما السبب وراء ذلك برأيك؟

ـ أعتقد أنها باتت تشكل ظاهرة خطيرة يجب الوقوف عندها طويلاً، خصوصاً بالنسبة للشعر الإماراتي الفصيح، حيث اننا لا نشهد ولادة شعراء إماراتيين جدد ـ أتحدث عن الشعر الفصيح ـ وهذا شيء محزن، فالشعراء الذين أشعلوا الساحة في سنوات ماضية تراجع نتاجهم بشكل واضح، والسؤال هو: هل أنهم يكتبون ولا ينشرون! وهذا أهون الشرّين، أما التوقف عن الكتابة فأعتقد أن الشاعر حين يتوقف عن الكتابة فهو بحكم الميت في ذاته، وهل أن النشر فقد بريقه وجذبه للشعراء، لأنني .

وكما أذكر تلك الأيام كنت كغيري من زملائي أدباء الإمارات نبتهج ونفرح فرحاً غامراً ساعة نرى ما نكتبه منشوراً، ولكني أكرر أن ليس الخطر الحقيقي في هذا الجانب، هو عدم ظهور وولادة شعراء إماراتيين كالأسماء التي ظهرت سابقاً، والشيء المثير للصدمة هو تعدد المنابر الثقافية في الدولة واتساعها واهتمامها الكبير بالمبدع الإماراتي مقارنة بالماضي، بل إن الأخوة المثقفين العرب أنفسهم يحسدوننا على تعدد وكثرة المنابر والمراكز الثقافية في الدولة، وللنكتة ليس إلا؛ فإن أحد الأصوات النخبوية الثقافية العربية التي تمارس تنظيرها في الإمارات، لا يجد له مكاناً لنشر ما يكتب في بلده أو بلاد عربية أخرى، وقد جلبت لي المصادفة إحدى المجلات الأدبية التي يديرها أحمد عبد المعطي حجازي.

حيث رد على هذا المثقف الذي حاول نشر إحدى قصائده بقوله: تحتاج إلى قراءة وتمرين على الكتابة أكثر، وحين تصل إلى مستوى جيد في الشعر سننشر لك! بينما الصفحات والمجلات والمنابر الثقافية الإماراتية تفتح بابها للجميع بغثهم وسمينهم، وعلى المثقف الإماراتي أن يملأ الفراغ الذي تعانيه الساحة المحلية حضوراً ومشاركةً وإبداعاً.

ثقافة الخليج بين الترف والفطرة

ـ بعيداً عن المجاملات الثقافية؛ يرى بعض المثقفين العرب في أحاديثهم الخاصة أن «الثقافة الخليجية» هي ثقافة ترفيه، وأن الثقافة الناشئة بعيداً عن المعاناة لا تنجب إبداعاً؟

ـ هذه مقولة يسقطها التاريخ والمنطق، فالشعر العربي ظهر في الجزيرة، والغنى يرفع من شأن الشاعر والمثقف وينضج تجربته بأن يتفرغ للإبداع والكتابة، وما يكذب هذا المقولة تاريخياً، هو أن أغلب مثقفي العرب في التاريخ العربي ـ وكان الشعراء يمثلون حالة الثقافة العربية ـ كانوا أغنياء، فالمتنبي الذي يتباهى المثقف العربي المعاصر بشعره، كان ينال راتباً شهرياً من سيف الدولة يكفي قبيلة كاملة، وأمراء الشعر من الفرزدق وأبو تمام وأبو فراس ومئات غيرهم كانوا في سعة من أمرهم وأنجزوا إبداعاً خالداً يفوق الوصف، وكذلك هو الحال في أمم أخرى كأدباء ومثقفي عصر النهضة الأوروبية، فهل أموت جوعاً وأسير حافي القدمين وأعيش بلا سقف يظللني كي أنجز شعراً أو أدباً راقياً!!

بل العكس صحيح أن المثقف والمبدع الفقير المعوز ينشغل بأمور حياته وتوفير لقمة العيش واحتياجاته حتى ينحسر ما لديه من إبداع بسبب ظروف الفقر والعوز، وهو ما حدث لكثيرين ـ إلا ما ندر في تاريخ الإنسانية ـ وهذا الكلام إنما يعبر عن حقد لنعمة وهبها الله للإنسان الخليجي، وجهل بالحقائق التاريخية، وحين تقبل الدنيا على الإنسان ـ إن كان مثقفاً ـ فإنها تمكنه من القراءة والكتابة والسفر الذي يطلعه على ثقافات وتجارب العالم بشعره وفنه وأدبه ويفتح نفسه وآفاقه على جميع الحضارات التي تغني تجربته.

ـ رغم المتغيرات الثقافية والاجتماعية التي حلّت بالمنطقة العربية بسبب السياسات والأحداث الكبرى خلال نصف قرن مضى؛ إلا أن البعض ما زال مؤمناً بنظرية المركز والأطراف أو الهامش في الجسد الثقافي العربي، كيف تنظر للأمر؟

ـ تحليلي لهذه القضية كالآتي؛ ظهرت نظرية المركز والهامش في الثقافة العربية في بدايات القرن الماضي لعدة عوامل، حيث «مصر» بما لديها من كثافة سكانية وثقل سياسي واجتماعي مؤثر، وبلاد الشام بحكم انفتاحها على تجارب وثقافات حوض المتوسط، والعراق بعمقه التاريخي وجذور حضارته، كان الخليج يومها عبارة عن دويلات وكيانات فقيرة ناشئة محجور عليها في التعامل مع الآخر وتعيش فقراً مزدوجاً من الفقر المادي والفقر الثقافي الناتج عن عدة أسباب ـ ليس هذا مكان تحليلها ـ أما الآن وقد خرج الاستعمار من المنطقة، فأقول إن الفطرة عادت لأرضها لتقول الشعر، وهي أرض الجزيرة والخليج، هذه الفطرة التي تجعل الإنسان الخليجي لا يغير من زيه الذي يعتز به، ولا يغير من أغلب عاداته وتقاليده كالكرم وحسن الضيافة، نعم تشكل هنا فوارق طبقية اقتصادية.

ولكن لم تتشكل فوارق اجتماعية بمعناها العميق، فالأمير والإنسان العادي يفترش الأرض عند الأكل ويلبس نفس الزي والملبس وأينما حللت تجد اللهجة بجذورها الممتدة إلى آلاف السنين، بعكس الدول العربية التي انسلخت ـ وللأسف ـ عن تاريخها وجذورها وماضيها في أغلب محطات الثقافة التي يعتبر الزي واللهجة والعادات والتقاليد وطبيعة الحياة اليومية أحد أهم أركانها، نعم؛ لقد عادت الفطرة للخليج وعاد معها الأدب العربي ـ وأعني هنا الشعر على وجه التحديد ـ ولو عدنا لنظرية المركز والأطراف في الثقافة العربية الوهمية؛ وسألنا المطبلين لها: اعطني شاعراً مصرياً واحداً يشار له بالبنان في هذا العصر بقامة حافظ أو أحمد شوقي وأجزم أنك لو أحصيت أبرز 10 أو50 شاعراً على المستوى العربي في العصر الحالي، لن تجد بينهم مصرياً واحداً.

وهذا ليس تقليلاً من شأن مصر أو غيرها من بلاد العرب، وهذا واقع الحال، لأن مصر أنجبت روائيين وكتاب قصة قصيرة وكتاب نثر في الفترة الماضية، لكن إنجاب الشاعر يحتاج إلى الفطرة التي تفتقدها دول المركز في الثقافة العربية كما تدعي، وأعتقد أن هذه النظرية هي نظرية ذات طابع سياسي أكثر منه ثقافي، لأنها تعتمد على ثقل وتأثير بعض البلدان العربية في فترة ما، وأن الريادة الشعرية أو الثقافية أو غيرها من هذه المسميات هي «ريادات وهمية» لا تمثل الواقع، وهناك شعراء فصحى في الخليج في هذا الزمن ليس هناك بقاماتهم في دول عربية أخرى.

ـ من هو «عبقر» كريم معتوق واقعاً ومخيلةً؟

ـ مررت بتجارب متعددة تأثرت فيها بكثير من الشعراء، ولكني أعود إلى مسمى «عبقر» ملهم الشعر وجنّيه، هو لدي وجه طفل لم ترسم الحياة على صفحته خطاً أسود بعد، وهو امرأة ترتسم النجوم في جبينها، وهو الوطن بكل قسماته، وهو لوعة عاشق غادره المحب دون عودة، وهو تاريخ من مروا في متاهات الأرض العربية بكل حنينها وعذاباتها، أما الجانب الواقعي من السؤال، فأقول إني مررتُ بمراحل متعددة؛ ففي بداياتي غرقت في بحر الشعر المهجري لرائده أيليا أبو ماضي، حتى تخيلت أن لا شعر في الأرض إلاّه.

وحين رحلت إلى شعر العرب قبل الإسلام نسيت المهجري خلفي لعظمة وروعة وفخامة ذلك الشعر، بعدها اتجهت للشعر الحديث فبدأت بالسياب، وهكذا في ترحالي عند بحثي عن رمز، حين أصل إلى نجم بعيد أبحث عن نجم أبعد في هذا الكون الشعري المترامي الأطراف، وكل شاعر أمر به يضيف قطرة في إناء شعري حتى امتزج الشعر ببعضه، وأنا أشعر الآن بأني استرحت من الترحال في عوالمهم، لا أدعي أنني فوقهم ولست دونهم، هم لدي وهم معي وأنا لستُ هم.

ـ لك صولات وجولات في الماضي بما يتصل بقصيدة النثر، أو الشعر المنثور، ما تقول في هذا الأدب الآن؟

ـ لقد كبرنا على هذه القضية وهجونا بعضنا بعضاً، وأنا الآن «أعلن الهدنة» مع كتاب هذا النوع الأدبي وأنا أتقبل الآخر إلى حين، وأنا لا أكتبها لأني غير مقتنع بها، وأمثلها برياضة «الركبي» أو «الكريكت» فأنا غير مقتنع بتلك الرياضات وهي موجودة ولها هواتها وجمهورها.

حوار ـ محمد الأنصاري