الأسلوب لغة، هو الطريق، ومن ثم فهو طريقة في العمل والكتابة والإبداع والحياة، وفي لُغتنا المعاصرة، المحكية منها والمكتوبة، صار يستعمل مجازاً في كل مجال، بدءاً من الرياضة وليس انتهاءً بالسياسة، والاقتصاد والإدارة، وجاء في موسوعة المورد العربية، الأسلوب يعني طريقة التعبير عما يختلج في الذات من عواطف.
وما يدور في خلد المبدع من أفكار، وانها السمة التي تغلب على نتاج الأديب وتميزه عن نتاج غيره، لعلّ أكثر المقولات شهرة في ما يتعلق بالأسلوب، مقولة: الأسلوب هو الرجل، التي تنسب إلى الكاتب الفرنسي بوفون، ولا أدري أي أسلوب يقصد تحديداً، الحياة أم الكتابة؟ ولا أدري أيضاً، لم خصّ الرجل ولم يقل الإنسان، فيقول الأسلوب هو الإنسان. ربما.. كان قائلها يريد بمقولته هذه، أن الأسلوب في الكتابة، سواء كان بسيطاً سهلاً أو معقداً صعباً، أو كان مركزاً أو كثير الاستطراد، وسواء كان بارداً جافاً أو حاراً متدفقاً، أو كان واضحاً أو غامضاً، فإنه ليس سوى صورة لشخصية الكاتب.
إن الأسلوب لا يبدع الإنسان، بل الإنسان هو الذي يبدع الأسلوب، ليس في الكتابة حسب، بل في جميع نشاطات الحياة، وبخاصة في مجالات الإبداع.
ففي الرسم مثلاً، نجد رساماً يبذل قصارى جهده، من أجل أن يتوصل إلى أسلوب معين، يكون لصيقاً بكل ما ينتج من أعمال فنية، ويظن أن هذا الأسلوب، هو صك فرادته ودليل استقلال شخصيته الفنية، فيتحول ما يعده ذلك الرسام أسلوباً إلى مجرد (ثيمة) تتكرر حتى يصعب التمييز بين عمل فني وآخر من إنتاجه. لذلك ينبغي أن نفرق بين الأسلوب والشخصية الفنية، فبيكاسو هذا المبدع الجبار، يرى أن ألد أعداء الفنان، هو الأسلوب، ذلك أن الثبات على أسلوب واحد، هو نوع سيئ من أنواع الاستجابة للمألوف والشائع وإنتاج ما ينتظره المحيط من الفنان.
كان بيكاسو، طيلة عمره الإبداعي، أميناً على رؤيته هذه في ما يتعلق بالأسلوب، إذ ظل ينتقل من أسلوب إلى آخر، كلما انتقل من مرحلة إلى أخرى، وما يصح على الرسم يصح على الكتابة، ففي الشعر مثلاً، نجد شاعراً على قدر من الشهرة والحضور الإعلامي والنقدي أحياناً، يظل يكرر قصيدته الأولى حتى النهاية، قاموساً وشكلاً وبناءً لغوياً .
وهو يعد ذلك التكرار التزاماً بالأسلوب، مكتفياً بتعدد موضوعاته وعناوين قصائده، وفي الوقت ذاته نجد شاعراً واضح الشخصية الفنية، شديد التميز، غير انه ينتقل من أسلوب إلى آخر، من دون أن يخل ذلك بشخصيته الإبداعية، فالسياب في بدايته الرومانسية، يختلف في أسلوبه، إبان المرحلة التجريبية، وهو في المومس العمياء غيره في المرحلة التموزية، أو في مرحلة منزل الأقنان والمعبد الغريق.
والأسلوب، ليس الصنعة اللغوية، كما يذهب إلى ذلك كثيرون من القدامى، وإنما هو الصفة الأدبية، كما يرى ذلك الدكتور شكري عياد، حيث يظهر الأسلوب في الصورة الأخيرة للعمل الفني، أدباً أم تشكيلاً أم معماراً أم موسيقى. إن ما يتغير ليس الموضوع، أو الموقف، وإنما بناء العمل الإبداعي هو الذي يتغير.
وبالتالي فهو تحريك الأسلوب. إن الأسلوب هو العمل في صورته الأخيرة، سواء كان هذا العمل رسماً أو نحتاً أو عملاً معمارياً أو كتابة، وإلى هذا يشير ماريو فارغاس يوسا، في حديثه عن أسلوب بورخيس، إذ يقول: أسلوب بورخيس لا نظير له إطلاقاً، يحوز فاعلية عجيبة تمنح الحياة والصدقية لعالم أفكاره ودهشته، لرهافته الثقافية والمجردة، حيث النظم الفلسفية والاستطرادات الدينية والأساطير والرموز الأدبية والتأملات.
وكذا التاريخ الكوني منظوراً من زاوية نظرة أدبية ثاقبة، كل هذا يشكل المادة الأولية للإبداع، وترى الأسلوب البورخيسي يقترن بهذه (الثيمة) ويذوب معها في سبيكة واحدة، أما حين يتحدث عن أسلوب ماركيز فيقول: يلمع أسلوب ماركيز لا برصانته، لكن بغناه الحواسي والحسي بالأحرى، الكلاسيكي بصفاء اللغة وصوابها، بعيداً عن كل تكلف، والمنفتح على التعبيرات والمفردات الشعبية والاشتقاقات وأدوار الكلام الأجنبية، وبموسيقية ثرية ودقة مفهومية منزهة عن التعقيدات والرطانات الثقافية.
لكن ما يقوله ويسا، عن أسلوبي بورخيس وماركيز، لا يعني أنهما، منذ أول عمل إبداعي لهما حتى آخر عمل عرفناه من إنتاجهما، ظلا ملتزمين بجميع مكونات أسلوبيهما، حريصين على ثباتهما، وقد يكون التوصيف المذكور أكثر انطباقاً على مرحلتي نضجهما، ويصح كذلك أن يكون وصفاً إجمالياً لمسار أسلوب كل واحد منهما.
إن تجديد الأسلوب والانتقال من مرحلة أسلوبية إلى مرحلة أسلوبية أخرى، لا يعني التفريط بالملامح الإبداعية، وهذه ظاهرة نجدها عند كبار المبدعين، هكذا كان بيكاسو وماتيس وجواد سليم وإسماعيل فتاح الترك في الرسم، وهكذا كان لوركا وريلكه والسياب ومحمد عفيفي مطر في الشعر، وهكذا كان ديستوفسكي وفوكنر والان روب غريية في الرواية.
وتشير سميحة خريس إلى علاقة صحيحة بين جوهر فكرة الإبداع، ومتغيرات الأسلوب، فهي ترفض أن تقع كتاباتها في النمطية، أو إذا استراحت، أو جف معينها، وحنطها الغرور، أو إذا كفت عن أن تكون متطلبة ونزقة ومجنونة، وباحثة ومنقبة ودخلت نفق الاعتياد.وفي جميع الأمثلة التي أشرت إليها، يكون الأسلوب مناخاً محركاً للإبداع، وليس سلطة تقيد الإبداع بشروط غير إبداعية.