يروي إسماعيل الرفاعي في كتابه الجديد «أدراج الطين» (جائزة الشارقة للإبداع الثقافي)، حكايا من أمسه وأمسنا. ويومه ويومنا. وغده وغدنا. في فضاء يتسع لجمع أزمنة ولأحداث وقعت أو يمكن ان تقع. ما دامت الحياة في الأصل مع كتابة الرفاعي، تبدو كلمة تعبر عن الذات وعن الآخر، والحياة. الممتلئة حزنا، وحبا، ولوعة متزايدة متواصلة إلى مبتغى احتمالي بين الممكن والمستحيل. وفي صيغ متضادة، لكنها متجاورة الإيقاع.
لا تتماسك بقدر ما تتشظى وتحول النص إلى حال هذياني، ينسج من الواقع ومراراته المتكدسة الصور الجوانية الدفينة، لشخوص تتحرر في مناخ اللغة الاحتمالية ذاتها. وهي صفة للنص الاحتمالي ايضا. المتراوح بين الرواية والشعر، وصيغ أدبية وفنية أخرى.
فيها المسرح كخشبة لخلاص الكاتب، إضافة إلى الفن التشكيلي. كمنصة ينشر عبرها الرفاعي ألوان الروح وأشكالها. لا اعني ان نص الرفاعي يقوم على خليط، بل على استدعاءات لمستويات ومتوازيات تكشف أسرارها، دون ضوابط. تتظلل وتضيء. وتفتح نافذة الماضي، وتصنع مستقبلها. في انفتاح للنص ذاته على عصب الاحتمال. وفي استدعاء المشهد الأول للمشهد الثاني. وفي متوالية يوحد عبرها الكاتب الصوت ويعدد النغمات ويفصم إيقاع الروح المتكئة على جملة أحياناً تبدو كأرنب أبيض يقفز على الثلج، وأحياناً كأفعى تقف على ذيلها في الصحراء.
لا يمكن تسمية أو صبغ نص «أدراج الطين» بأية تسمية أو صبغة كلاسيكية، روائية أو غيرها. هو نص مفتوح احتمالي بالكامل. يهدم أشكالا ويبني أخرى، لا يلبث ان يهدمها من جديد. كل كتابة هدم وإنتاج، لكنها في كتابة إسماعيل الرفاعي تأخذ مدلولا مختلفا، وانتقاليا. اقل ما يقال فيه انه يتجرأ على الانتقال بين اتجاهات، فحين يكتب الرفاعي سيرته لا يكتب عنها، يصير صدى للذاكرة العامة.
يروح إلى مناهل اللغة ويستدرجها خارج قاموسيتها، يسعى إلى تجاوز غنائية القصيدة، ويركن إلى عطر الشعر الذي يؤلف البناء الهرموني للنص المتبلور في كل فصول المادة المؤلفة والتي تحيك فنيات المشهديات «الكولاجية»، وتسقط الفعل على الفعل، وتكون عالمها الخاص، في المكان والزمان، مع انهما حقيقيان لا يعيد تشكيلهما الكاتب المؤلف بقدر ما ينحى بهما إلى خصوصية رؤيوية لا تكمل لوحة بمعنى إغلاقها كمنجز، انتهى عند هذا الحد أو ذاك.
ولو كانت اللوحة تتكون من مخزون بصري هادر، يغتسل فيه قارئ «أدراج طين». النص الابتهالي الوجه. والوثني الجسد. والقلب المتأرجح في صلاة تبدأ على الدوام ولا تنتهي. لأن لاشيء ينتهي في نص إسماعيل الرفاعي. وأكاد أقول لاشيء يبدأ أيضاً. الحياة منصة مسرحية. خشبتها اللغة، لغة هي الفكرة لا التفكير، البشر يرحلون.
الأشياء ترحل هي الأخرى. اللغة نص منتصب على الدوام. هي وعاء للأحياء والأموات. واللغة هي بطل نص «أدراج الطين». بطل غامض، يقود الكاتب وكل ما جمعه من «معرفة» حول الذات وعن الآخرين. «معرفة» تفرج عن ساقي الحارة وتدفعها تفر إلى ذاتها. وتفتح في كفي الشوق إلى ام غابت قسرا، مشروع قيامة، تخلدها في كل لون وكلمة وصرخة.
حسين قطايا