الكاتبة القطرية وداد الكواري مبدعة خاضت تجاربها مبكرا بدءا من مجال التمثيل حيث شاركت في العديد من المسرحيات، ثم توقفت واتجهت للتأليف المسرحي وانصب اهتمامها على مسرح الطفل فكان لها سبع مسرحيات منها السيارة العجيبة وافتح يا سمسم و ا ب ت، ثم كتبت القصة القصيرة، لكن بصمتها الأبرز حين توجهت للكتابة للتلفزيون منحازة للقضايا الاجتماعية ومما كتبت البيت الكبير وحكم البشر ويوم آخر، والشتات، ونجمة الخليج. نحن أمام كاتبة متنوعة الإبداعات حيت تجول في ميادين الكتابة القصصية والصحافية والدرامية التي تفوقت بها على كثيرين، وأصبح اسمها وأعمالها لازمة شهر رمضان لعدة أعوام، التقتها (البيان) في هذا الحوار.
* ككاتبة دراما أثرت قضايا حساسة وذات إشكالية، فهل أنت مع من يقول بأن الكاتب ليس مسؤولا ولا معنيا بوضع الحلول ولا معالجتها، وأن حدود مسؤوليته إثارة الأسئلة فحسب، هل ذلك كاف برأيك؟ وهل الناس عاجزون عن طرح أسئلتهم؟
- لكوني كاتبة أتمنى أن أحدث تغييرا؛ لكن لا أستطيع القول إنه حدث تغيير لكوننا نطرح قضية، فنسبة بسيطة من مائة قد تجد حلا في ما طرحناه، بينما الباقي يستمتعون به كعمل لا أكثر، وقد لا يمس شيئا في حياتهم. أتمنى فعلا أن أصل بعمل من أعمالي إلى مرحلة يحدث تغييرا، علما أن كل إنسان في مجال عمله يأمل بإحداث تغيير، ويشعر بسعادة لو حدث ذلك. وعن نفسي لست معنية بالإجابة، وأعتقد أن حب الناس لأعمالي وتشجيعهم لي ومناقشاتهم معي، لهو أكبر دليل على إمكانية إحداث تغيير ولو بسيط، لكن لابد من الحذر فأحيانا قد تأتي النتيجة عكسية.
* كيف؟
- في يوم آخر مثلا حين تطرقت لموضوع الانترنت، ودخول الشباب على الشات، وكيف يتم تخريب العلاقات، والتعارف. أخبرتني إحدى الفتيات أن والدها بعد هذا العمل منعها من التعامل مع الانترنت، وقالت (لم تقدمي لي خيرا) علما أن هذا الأمر قد يكون لصالحها. هذا الأمر أدى إلى تنبه أولياء الأمور لأولادهم.
نسبة كبيرة من الفتيات اليوم يمتلكن هواتف نقالة من دون علم أهاليهن علما أن والدة الفتاة قد تكون صديقتها ولكنها لا تعلم بأمر الهاتف، وأخبرتني إحدى الفتيات أن والدتها بدأت تبحث في الأغراض بحثا عنه، هناك من يستاء من أني أفتّح عيون الأهل لاشك في أن الموضوع يخدم في مواقف معينة، وأحيانا قد يسيء؛ لكن المحصلة النهائية أن الهدف نبيل وأنني أسعى لأمر جيد.
* أطلق لقب (الثلاثي الذهبي) عليك وعبد العزيز جاسم وأحمد المقلة ألا تختلفون، ولا يتم أي تدخل في ما تكتبين من أي طرف؟
- نختلف كثيرا، وتحديدا أنا وعبد العزيز، وقد حدث بينا خلاف كبير في (بعد الشتات) وكنت أنا السبب وانفصلنا ومن ثم تم التصالح، ولكن أن نختلف لا يعني إنهاء هذا التعاون، بل بالعكس أنا سعيدة به، لأننا أصبحنا نفهم بعضنا، وهناك تناغم في ما بيننا نحن الثلاثة، والمقلة حريص على عملي وأمين عليه كذلك عبد العزيز، وهو كمنتج ينفق حتى على الموسيقى التصويرية وهذا الإنفاق ليس بسيطا.
وللعلم فقد حشدت له 23 شخصية نسائية في (نعم ولا) وجميعهن من الخارج، ولم يتدخل ليقلص عدد الشخصيات إلى شخصيتين أو ثلاث، وهو لا يتدخل في عملي ولا يحدد لي ما اكتبه، بل اكتب (براحتي) أما هو فلا يبخل على العمل، كذلك الأمر مع المقلة، وفي الغالب لا أحضر التصوير لأني على ثقة تامة بأنه أحرص مني عليه، كما أكون مطمئنة أنه لن يتم حذف أو تغيير كلمة ما لم يرجعا إلى، وبأن العمل سيكون كما أحب ولن يضاف شيء من دون استشارتي.
* يقال إنك أخذت على عاتقك مناقشة قضايا عجزت الحرية الإعلامية ( كالجزيرة القطرية) من الاقتراب منها هذا يحيلنا إلى سؤالك..هل في الدراما التلفزيونية خطوط حمراء؟ إذا نعم كيف اجتزتها؟
- حين أكتب لا أضع في بالي أو اعتباري أن هناك خطوطا حمراء أو زرقاء أو خضراء؛ أكتب لأن هناك قضية استهوتني وشدتني فتحمست لها، وذلك ما يظهر معي في الكتابة فلا أتوقف، وهناك من يقول عني (الكاتبة الجريئة) استوقفتني هذه الصفة بينما لم ترد في بالي يوما أبدا.
وكل إنسان حين يطرح قضية فلأنه مؤمن بها. ولله الحمد أن كلمة خط أحمر غير موجودة لدينا في الدراما، لكن الغريب أن من يعترض ويبتكر مثل هذه المصطلحات والمسميات التي تثير ضجة، هم أناس من مجال العمل نفسه ومن الطبيعي أن الكلمة التي تلخص الموضوع هي (الغيرة). علما أن هناك مطبوعات تكتب ضد مجتمعنا، ومع ذلك يسمح بدخولها البلد ولا تُمنع فنحن لدينا سقف عال من الحرية.
وقد حازت أعمالي ثقة المسؤولين، وهي تجاز اليوم من دون المرور بلجنة التقييم.
* أين تجدين نفسك في الكتابة الصحافية أم في كتابة الدراما التلفزيونية؟
- الحقيقة أني بدأت أشعر بالملل من الكتابة الصحافية لأنها محرقة، وأنت في الصحافة وتعلمين هذا، فلكي تكتبي مقالة لابد أن تقرئي لكن هناك فرق بين أن اقرأ لنفسي ومن أجل الاستمتاع وأن أقرأ لكتابة عمود ملزم، هنا يختلف الأمر وهذا الالتزام الأسبوعي عملية صعبة جداً فما بالك بكتاب الأعمدة اليومية.
وكل فترة يراودني قرار التوقف عن الكتابة الصحافية. لكني أجد نفسي في كتابة الدراما، فأنا أحب الدراما، لأني ومنذ أن عملت في التلفزيون وأنا في قسم الدراما، حين وظفت في التلفزيون وكنت صغيرة كان حظي أن وضعتني الظروف مع جهابذة وكتاب كبار يقرأون النصوص ويقيمونها وبدأت أتعلم منهم، كيفية قراءة نص وملاحظة مواطن الخلل فيه، وكنت أكتب قصة قصيرة. لكن وجودي في مجال وقسم الدراما التلفزيونية أتاح لي الفهم وصرت أطيل النقاش مع أسماء لرموز من قطر ومصر في هذا المجال ومنهم السيناريست عاصم توفيق الذي كتب (القاهرة والناس)، ومصطفى المصري كاتب (عودة القائد) و(خرج ولم يعد).
* ما تعليقك على من يقول أن الدراما القطرية لم تعرف قبل قلم وداد الكواري؟
- هذه مبالغة، فقد سبقني في الكتابة غانم السليطي، وعرفت الدراما من خلاله ومحمد الرميحي في (فايز التوش) فمن الظلم التقليل من قدرهما أو هضم حقهما، قد تكون ظروف معينة في فترة معينة ساعدت على بروز كاتب معين. مثلا.. هل يمكن القول أن الدراما السعودية لم تعرف إلا مع (طاش ما طاش) لا.. لقد كان هناك دراما من قبل، ولكن لم يكن هناك اهتمام حتى جاء هذا الثنائي، واجتهدا وظهر طاش ما طاش، لكن نجاح شخص ما لا يعني عدم نجاح أحد قبله، فأنا ما كنت وصلت لو لا من كانوا قبلي.
* ما آخر ما كتبت، وما الدافع إلى كتابته؟
- (نعم.. ولا) وهو العمل الوحيد والأول الذي أضع له عنوانا قبل الشروع في كتابته على عكس أعمالي السابقة، وهذا العمل أحببته جدا، فمن خلاله سوف تُكرس مقولة (نعم ولا) طوال حلقات المسلسل الذي سيعرض في شهر رمضان إن شاء الله، وهي مقولة لفيثا غورث، فهما أقصر كلمتين وأبسطهما، وأخطرهما، وهما محور حياتنا كلها، ولو اعتدنا على قول (لا) بقدر ما نقول (نعم) لتغيرت أمور كثيرة جداً في حياتنا وبشكل إيجابي، فنحن نجامل على حساب أنفسنا وصحتنا ونفقد فرصا كثيرة.
وعن نفسي مؤخراً بدأت أقول (لا) وانظري بعد مضي كم من التجارب ومن العمر وأنا أقول فيها دائما (نعم) وكم خسرت.
ونبعت فكرة العمل نتيجة موقف مع صديقة أميركية أثناء الدراسة في واشنطن. وكعربية كنت أتكاسل عن القيام بانجاز الواجبات والبحوث المطلوبة في وقتها، وكنت أطلب منها المساعدة، كصديقة جاملتني مرة أو مرتين ويبدو أني اتكلت عليها، وفي مرة صدمتني ب(لا) وكان عليّ إعداد بحث تخرج ضخم واستغربت، فهي كصديقة لا يجوز ولا يجب أن تقول لي (لا) وتصورت أنها تمزح ولكن (لاءها) كانت حاسمة وبلا تراجع، كما يحدث عندنا، حين يطلب الابن شيئا نرفض طلبه ثم نعود ونوافق.
استأت وعزت عليّ نفسي واتهمتها في صداقتها، وبقيت أياما وأنا أتجنبها، بينما هي لم تتوقف عند الأمر ولم تتذكره أو تتأثر به إطلاقا، والحقيقة إني تحديت نفسي وقمت بالبحث وحدي، وللحق أني تعلمت واستفدت أشياء، لو قامت هي به عني لما توصلت إلى معرفتها.
ولما كنت استفدت، وبالفعل من أعماقي قلت لها شكراً لأنها خدمتني بما هو صحيح و(نعم ولا) في حياتنا كلنا كثيرة فلو أن الأم والأب حين يطلب منهما ولدهما ذو الخمسة عشر عاما شراء سيارة له ويلح عليهما، قالوا له (لا) لكانا أنقذا حياته، ولو أغرمت فتاة بشاب وأصرت على الارتباط به فقال والداها (لا) لما أنجبت عددا من الأطفال ثم طلّقت وهي في سن صغيرة.
المهم أن نعلم جيداً المواقف التي لابد أن نستخدم فيها (لا). وربما لأننا طيبون نعتقد أن الاستجابة لصالح من نحبهم. ومؤخراً أصبحت أقول (لا) في تعاملاتي، والحقيقة أني خسرت أناساً في الآونة الأخيرة، لكني وصلت لمرحلة أصبح من اللازم أن أقول فيها (لا).
حوار: فاطمة محمد الهديدي
