قد تبدأ القصيدة بكلمة أو اللوحة بخط أو النظرية بفكرة ما، لكن بالتأكيد ليس سقوط التفاحة وراء اكتشاف إسحاق نيوتن لقانون الجاذبية، ثمة بحث وقراءة وتأمل، ثمة جهد وتعب وتراكم معرفي طويل، فكيف، ومن أين، ومتى ـ وكل إشارات وأدوات الاستفهام ـ يكتبون الشعر دون أن يقرأوا؟

نشأ الشعر الحديث في لحظة القطيعة المعرفية الواسعة، التي تمثلت في انفصال المخيلة عن العقل، حين بدأت الذاكرة الإبداعية في الفصل ما بين الصور باعتبارها نتاج المخيلة، والتصورات باعتبارها نتاجا للعقل، وتأسس النص النقدي بدوره في المسافة التي تفصل بين النص الحاضر ونص آخر ضمني، ليصبح هذا النص الآخر هو المعيار الذي يقاس عليه النص الحاضر.

بل ويمثل حكم القيمة له، إذا كانت هذه الأقوال في جميع الحالات تشي بضرورة وجود نص ما، فما الذي يمكن أن نطلقه من تسميات على ما نقرأه أو نسمعه من شعر هذه الأيام؟ وكيف تعتمل في ذات الشاعر مكونات القصيدة؟ وما هي التقنية التي تصنعها؟ وما هي الآلية التي تخرج بها إلى رحاب البوح؟

إذا كان من يدعون الشاعرية هذه الأيام مع النوع من الكتابة التي دعت السريالية له، ويتجسد فيما أسمته الكتابة الآلية، أي أن تنطلق من كلمة ما ثم تكتب ما تشاء على أن هذا التداعي اللغوي يخرج من اللاوعي الإنساني ويضيء المناطق المجهولة في الذات البشرية.. فمن المسلمات أن يكون صاحب هذه الكتابة ناضجاً وشكل وعيه ثقافته الخاصة وأفكاره عبر تراكمات تاريخية من القراءة والعمل والتأمل والتثاقف و.. حتى أصبح في لا وعيه مبدعاً حقيقياً، ولذلك كتاباته تضيء الأماكن المجهولة في الذات البشرية.

وإذا كانوا ـ من يكتبون ولا يقرأون ـ مع ما يقوله الشاعر الفرنسي «ملارميه» إن الشعر ليس إلا مجرد توالد ألفاظ، بمعنى أن اللفظة تولد لفظة أخرى، وهكذا دواليك... ألا يحتاج هذا التوالد، على الأقل، إلى مخزون لغوي يتشكل تاريخياً عبر القراءة، وألا تحتاج هذه الألفاظ إلى معان وليس إلى مجرد توالد هذري يوقعنا في الغموض والإبهام، و يأخذنا إلى عتمة بعيدة كل البعد عن المنابت الحقيقية للمشاعر والأفكار تحت مسمى الحداثة وما وراءها.

صحيح أن هناك ما يسميه النقاد بالانزياح الشعري، أي أن المفردة حين تقع في السياق الشعري تفقد معناها القاموسي وتكتسب معنى دلاليا جديدا يفرضه السياق الذي تخضع له، فما بالك إذا لم يكن هناك سياق في الأساس، أو كانت تلك المفردات خارج السياق، وبعيدة كل البعد عن أية دلالات؟

وحتى لو حققت هذه الهذيانات انزياحاً ما، وتلك المعاني انبلجت منها معان أخرى، ألا تحتاج إلى نوع من الإيقاع الداخلي يكسبها حركتها وتسارعها ؟ ألا تتطلب تلك التقنية دفقا شعوريا وكثافة فكرية وإحساسا هادئا كي تحقق على الأقل رؤيا ما.. وكل هذا ألا يتشكل عبر تراكم معرفي تاريخي، منبعه الأول القراءة؟

abuhamed@albayan.ae