1ـ المتخلي:

التخلّي انحدار أو صعود أو التفات نحو منطقة غامضة تلوح أمام أو وراء أو حول علامات الطريق. تلوح المنطقة الغامضة مثل مصير مشنوق أو نهاية خادعة أو كلمة مطلسمة، لابدّ أن تُدرك أخيرا. هاجس يرتفع بقوة ويهدد طمأنينة كاذبة دامت أكثر مما يلزم. جرس يُسمع بوضوح بعد أن كان قرعه مطموراً بانشغالات يومية. لا بدّ من نهاية لكل شيء، لابدّ من التخلي. أخيراً: لابدّ من وضع هذا الزحام البشري وعلاقاته المتلازمة وراء الظهر. الذهاب بأسرع ما ينبغي إلى تلك المنطقة الغامضة والغرق فيها.

يشعر المتخلي شعوراً دائماً بأنه مطارد، لكنه لا يعرف من يطارده. يصفّي المتخلي مطارديه واحداً بعد الآخر في حلمه ويرسلهم إلى العالم الآخر، لكن المطاردة لا تنتهي. هذا الشعور بالمطاردة الدائمية تجعل حلمه عدوانياً. يدقق في الوجوه علّه يعثر على المطارد الأخير، الذي ما أن يحذفه من حلمه حتى يستريح وتتم مجهوليته المنشودة.

يفحص قائمة الأسماء الباقية قبل أن ينام، وسرعان ما يظهر وجه خفّاشي يتجسس على دفتر أحلامه. ظنّ المتخلي أنه شطب هذا الاسم الخفّاشي من قائمته في نوبة جفاء ونكران، فإذا به يبادره ويمتص دماء حلمه بخرطومه الأسود. قُتل هذا الصديق في إحدى معارك الحرب، فهجم المتخلي على صوره ورسائله الباهتة الحبر التي تتصدرها عبارة الصداقة المشؤومة: «الذكرى جرس يدق في وادي النسيان» وأتلفها حرقاً.

كان المتخلي منحدراً في وادي حلمه الذي يشبه حفرة ترابية، حين فاجأه صديقه القتيل في أسفل الوادي، وبادره القول:

ـ ((احذر البقاء طويلاً في الوادي، ربما يدهمك سيل الصحراء. ألم تتلقَ رسالتي الأخيرة ؟ ))

ـ «حسبتك ميتاً، وأنا لا أقرأ رسائل الموتى».

ـ «موتى الأحلام يبعثون أحياء فيها، ورسائلي إليك لم تنقطع».

ـ «قائمتي لا تتضمن اسمك. أنت ميت في أحلامي أيضاً ».

ـ «لنعقد صلحاً بيننا. معاركنا انتهت. صافحني ولننه معارك الأمس».

ـ «سأحذفك من أحلامي أيها الخفاش. حان الوقت كي نفترق. السيل سيغرقك وحدك».

اعتلى المتخلي منحدر الحفرة بخفة واستوى على جانبها المرتفع المقابل. ومن موقعه العالي رأى صديقه يغرق في وادي النسيان، والمياه تكتم صلصلة الجرس المعلق في عنقه.

2ـ حلقة جالينوس:

كنت وابني الطبيب في حافلة ركاب مع ثلة قليلة (أو كبيرة) نتحدث، نتجادل، بحماس رائق. حفلتُ براكبة واحدة جعلها مسّ الجدال تتضخم وتسدّ منافذ الحلم كلها. فتاة سمينة سيطرت على مشهد الحافلة المسرعة وحجبت ما حولها من الرجال والنساء. فجأة خمدت حيويتها المتضخمة، تداعى جسدها المتوتر، سقطت في غيبوبة. انتزع ابني حقنة دواء من حقيبته الطبية وهرع نحوها، وسط هياج الركاب.

أفرغ ابني الحقنة في وريدها، ذراعها الممدودة التي أمسك بها رجلان كي يمكناه من زرق الدواء. كان الابن معدّاً لأداء واجبه حالما يدق جرس الطوارئ في ليله ونهاره. سألته عن الدواء، فهمهمَ باسمه الذي ينتهي بالمقطع (جين). كانت مصطلحات الطب وعلاجاته: ثيلاسيميا، هيموفيليا، باراميديك، انترفيرون، هوموباثي.. قد رشحتني عضواً فخرياً في (حلقة جالينوس). وكان عقابي الذي تلقيته في الحلم من جنس ادعائي، قاسياً وخصوصياً.

تغير المنظر، ودوري الجديد في الحلم وضعني وراء مقود سيارة إسعاف، كانت تجوب الشوارع الخالية، وتطلق النفير. اقتربت السيارة بضوئها الأحمر الوامض من حاجز تفتيش ليلي، وظهر رجل يشهر سلاحاً بيده، حقنةً من العقار الذي ينتهي اسمه بالمقطع (جين). فتح الرجل باب السيارة وطرحني على المقعد، محشرجاً باسم العقار الذي زرقه في ذراعي بصوت مضغوط. قال إنه أخو الفتاة التي حقنها ابني بالعقار القاتل. قتلتها الحقنة فوراً (هل علمتَ بذلك؟) (يُفترض أني حرّضتُ ابني على قتلها).

أخبرت الأخ المنتقم بأن مهمة أعضاء حلقة جالينوس إسعاف الناس في أي وقت ومكان، لا قتلهم.

سخر الرجل من كلامي وسحبني وألقاني عند الحاجز، ثم انطلق بسيارتي. في هذه الحال لن ينتبه طارق ليل لهذا الحادث، وسيسري العقار القاتل في أوردتي بطيئاً، حتى انتقالي إلى الفراغ الأبيض الممتد وراء حواجز الليل. وسأفطن قبل غيبوبتي إلى أن الجزء الأخير من الحلم، الموت الرحيم، الفداء الذي يقدمه الأب من أجل ولده، شرط أصيل في عضوية حلقة جالينوس.

3ـ الكتاب الأخير قبل الإعدام:

هل يفكر الكتّاب بإنهاء أعمالهم الأخيرة في الوقت المناسب، قبل انفصام لحظتي الحياة والكتابة ؟

لقد وصلتُ إلى هذه المرحلة التي أقرر فيها وضع العنوان الأخير على قائمة مؤلفاتي، ثم أسلّم رقبتي لأولئك الذين سيفصمونها ومعها كتابي.

استبقتُ لحظة إعدامي في حلمي، وكنت احتسب دائماً لوضع السطر الأخير في كتاب عمري، والتوقف عن العمل نهائياً. أضع النقطة التي ستنهي السطر المتعرج في حياة كل كاتب على وجه الأرض. وعندما حان وقت تنفيذ الحكم رجوتُ الجلادين الذي استعدوا للإجهاز على أنفاسي بان يأخذوا مني مخطوطتي وينشروها.

كان حكم الإعدام يُنفّذ ببشاعة. يُؤخذ المحكومون إلى جرف مائي ضحل، ثم يُضربون بهراوة على فقرات أعناقهم ضربات قوية متوالية حتى تنفصم، ويُطمسون في ماء المضحل المخلوط بالطين. سيق قبلي كاتبان أنهيا كتابيهما للتو إلى حتفيهما، ورأيتهما يسيران مع جلاديهما طوعاً إلى المضحل المائي الذي ترسو فيه قوارب متجاورة كالحة اللون.

سبق تنفيذ الحكم استجواب قصير. سألني الجلاد الأكبر: «ما رغبتك الأخيرة قبل إغراقك ؟». أخرجتُ من ثيابي رزمة أوراق مرتبة، وقلت له: «أتمنى أن تنشروا كتابي هذا». (أستعيد حجم الكتاب وأنا أدون هذا الحلم، فأتذكر على وجه الحقيقة حزمة أوراق لا تؤلف سوى فصل في كتاب).

نظر الجلاد في الأوراق ثم قال: «لسنا ملزمين بنشر مخطوطاتكم، لكننا سنحترم رغبتك وندسّ ملزمة كتابك في وسط طبعة من روايات فرانسوا ساغان». (وأفكر الآن بوظيفة الجلادين الإضافية، وأظنهم كانوا ناشرين في دار ملحقة بمضحل الإعدام). قلت: «هذا كتابي الأخير وأريد أن ينشر في طبعة مستقلة».

لا سبيل إلى تنفيذ رغبات الأحلام، مثلما لا تُحترم وعودها. فكرتُ بذلك وأنا أسير بين أيدي جلاديّ إلى مضحل السكون الأبدي، حيث لا صوت للضربات، ولا ألم، ولا نهاية لسطر الظلام المتعرج على شاشة طابعة الأحلام.

mkhudayyir@yahoo.com