من ينظر إلى المجسم الفني الذي أبدعه الفنان التشكيلي الأميركي دان بيترمان سوف تدهشه مساحة الصبر التي تحلى بها هذا الفنان، وهو ينفذ عمله القائم في إحدى قاعات مركز اكسبو، والذي هو احدى المساحات التي تستضيف عدداً من أعمال الفنانين المشاركين في بينالي الشارقة الدولي للفنون في دورته الثامنة، والذي خصص للتنادي لما فيه صالح البيئة.

ومن الواضح أن هذا الفنان قد تكبد مشقة ليست قليلة في تجميع مخلفات الأقمشة المتبقية من عمليات التفصيل والخياطة، إن كانت تلك البواقي هي مخلفات تنفيذ ما يلبسه الناس أو ما يستخدمونه لأغراض أخرى، في دلالة إلى إمكانية استغلال كل فائض عن الحاجة في ما هو مفيد.

وهو هنا قد حولها إلى وسائد ملونة زاهية الجمال، ولعل العملية الأصعب بعد ذلك تكمن في حشو هذا الكم من الوسائد الملونة بالرمل الناعم. لا شك بأنه بذل جهداً كبيراً في تجريف مساحة من الأرض ليستهلك كل هذا الكم من الرمل حتى يمكنه تنفيذ عمله المشارك، وبالتالي تضمينه الرسالة المبتغاة!

يعيدنا شكل ووضع هذا المجسم إلى تصاميم القبور الأثرية التي تكشف عنها عمليات التنقيب المستمرة من حيث الشكل الدائري المحزز والمدخل الضيق الصغير؛ ويبدو أن بيتر مان بعمله هذا قد ذهب إلى أعمق من الاقتباس بالاحفوريات التاريخية، ولعل أيضاً تركه لهذا المجسم مفتوحا من الأعلى.

بالإضافة إلى وضعه عدداً من الوسائد التي رصت في وسط الشكل الدائري، فيه ما قد يحيل المتلقي إلى مشهد الخنادق أو المتاريس التي يتمترس خلفها الجنود في مواجهات المعارك، وبالتالي فإن هذا المجسم الزاهي الألوان والذي يوحي من جهة بإمكانية استثماره لما يحقق المتعة والراحة، ذو دلالة وقائية لحظية من الخطر من جهة ثانية، بينما هو في الواقع المقبرة التي يساهم الإنسان بإيصال نفسه إليها مبكرا.

وبالتالي فإن كل ما يقوم به المرء من ممارسات وعمليات بهدف إضفاء الرفاهية على معيشته والبهجة على حياته، ويمعن في استهلاك المواد وموارد الطبيعة بأنانية، وبلا ترشيد إلا انه في الوقت نفسه يعجل بذلك بالذهاب إلى النهاية، والنهاية العاجلة هنا ليست سوى الفناء، بالمساهمة في تقليص مستوى عمر الفرد ليس إلا. قد يكون بيتر مان قد نجح في إيصال الرسالة، ولكن إيصالها تطلب منه مناقضة الصيحة الأساس والهدف من هذا التجمع الجاد في التحذير، ولكن يبدو أن العمل على حماية البيئة لن يخرج عن كونه سلاحاً ذا حدين، لابد أن يجرح ويدمي إن لم يقتل.

كتبت: فاطمة محمد الهديدي