تعددت الآراء وتنوعت الأسباب وتقلبت الرياح وعاكست جميع من حسبها عبر الأجهزة الحديثة، ولكن الهدف بقي نفسه وكان سباقاً شراعياً للسفن من فئة 60 قدماً جسد بكل معاييره المعنى الذي أقيم من أجله وفي مقدمة تلك المعايير أن يكون بروفة مصغرة للمهرجان الشراعي الكبير سباق صير بو نعير، الذي يقام دورياً تحت رعاية سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة والمقرر في السادس والعشرين من مايو الحالي .

سباق الميناء السياحي أو سباق الأبطال كما أطلق عليه البعض للسفن الشراعية 60 قدماً الذي نظمه نادي دبي الدولي للرياضات البحرية يوم أمس الأول بمشاركة 52 سفينة كان سباقاً ماراثونياً صعباً، وربما قد يكون الأصعب من بين السباقات التي نظمها نادي دبي البحري حتى اليوم ولكنه خرج بمعانٍ كثيرة وعبر ستبقى خالدة في أذهان كل من دخله وكل من صبر فيه وكل من جد من أجل الوصول إلى الهدف المرجو منه، وكل من قطع مرحلة من مراحله يعتبر ناجحاً ولكن الذين قطعوا خط النهاية يعتبرون من الأبطال الحقيقيين ويستحقون التقدير.سباق الأبطال كان درساً وامتحانا في الوقت نفسه ولغز الامتحان كانت الرياح التي واكبت السباق وتقلبت في اتجاهاتها لتتناثر معها السفن المشاركة وترسم جزيرة تراثية عائمة في مياه دانة الدنيا دبي بين المشروعين الإعماريين العملاقين فيها والمتمثلين في جزيرة النخلة العملاقة وجزر العالم الخلابة.

**رسالة شراعية شديدة اللهجة

وبعد تغيرات الرياح وتقلباتها في السباق وعلى مدار مراحله حققت سفينة أطلس لمالكها فرج بن بطي المحيربي وبقيادة النوخذة أحمد راشد السويدي المركز الأول عن جدارة واستحقاق لتوجه بفوزها رسالة شديدة اللهجة إلى جميع منافسيها قبل موعد سباق القفال، في حين حلت سفينة رجام للنوخذة أحمد طارش القبيسي في المركز الثاني واستفادت سفينة عزام للنوخذة الصاعد بقوة إلى النجومية الحر راشد خادم المهيري من نسمات الرياح البرية قبل 500 متر على خط النهاية وأكملت ثالثوث الصدارة والمنصة.

وعاندت الرياح وعاكست توقعات الجميع في السباق وخصوصاً في المرحلة الأخيرة له وتحديداً قبل 500 متر على خط النهاية مجموعة كبيرة من السفن وأبرزها العديد وشمردل والوصل وسردال بالإضافة إلى النواخذة أصحاب الخبرة الطويلة والباع الطويل في علم البحر والسباقات الشراعية الأمر الذي أدى إلى عدم وصولهم بين الأوائل ولكنهم نجحوا في الوصول إلى خط النهاية وهذا اعتبروه إنجازاً وتحدياً مع الذات والقدرات.

**انطلاقة قوية ولكن!

وكانت الساعة الثانية والنصف من عصر اول من امس ساعة الجد لسباق الميناء السياحي، حيث رفعت الإشارة الدخانية من قبل اللجنة المنظمة للسباق في سماء المياه المواجهة لميناء جبل علي معلنة بداية السباق وسط رياح غربية مناسبة للسباقات الشراعية، وكان الجميع على بينة من أن خط النهاية كان متواجداً عند المنطقة الأولى على شاطئ الجميرا وعلى مسافة تبلغ من خط البداية نحو 16 ميلاً بحرياً.

ومع الانطلاقة انفردت سفينة أطلس في المركز الأول وابتعدت عن المجموعة الباقية على خط البداية وبانت سفينة غازي حاملة لقب القفال بقيادة النوخذة المحنك أحمد سعيد سالم الرميثي في المركز الثاني وبراق في المركز الثالث والزير في المركز الرابع، وكان ذلك قبل الوصول إلى منطقة عالي جزيرة النخلة ومن بعدهما بانت السفن المتبقية وبأعداد كبيرة.

وحصل ما لم يكن في حسابات الجميع بعد مشروع النخلة العملاق وتقلبت الرياح مرة واحدة من اتجاهها الغربي الذي كان عند خط البداية وبات باتجاه شمالي غربي (كوس) وخدعت جميع المشاركين به وأخذ النواخذة يجرون المستحيل ويصمدون في وجه الرياح وقاموا بعملية الخايور لتغيير الاتجاه بحثاً عن الرياح التي توصلهم إلى المجرى الصحيح نحو خط النهاية.

فمنهم من اتجه للعالي أي لجهة البحر ومنهم من اتخذ المجرى البري ومنهم من بقي يراوح مكانه لفترة زادت عن ساعتين الأمر الذي دفع بالعديد من السفن إلى الانسحاب من السباق ولكن الصابرين فيه وصولوا إلى الهدف حتى ولو بعد 5 ساعات ونصف الساعة من الانطلاقة وجسدوا معاني السباق التراثي القديم ووقفوا عند جديتهم في التعامل مع الرياح وحسبوا حساباتهم الخاصة قبل إقفال الشبيه بسباق الميناء السياحي.

ولم يوفر نوخذة سفينة أطلس أحمد راشد السويدي جهداً في حسابات الرياح وتقلباتها وابتسمت له المعرفة في فنون الإبحار عبر الشراع العربي ونجح في الوصول إلى خط النهاية بعيداً عن سفينة رجام صاحبة المركز الثاني بفارق ميلين بحريين تقريباً ليتوج باللقب الغالي في حين دخلت سفينة رجام ثانية عن جدارة وقامت كما فعلت سفينة أطلس بعملية الخايور مرتين.

وعرف البطل والوصيف ولكن المنافسة على المركز الثالث كانت ولا أجمل ولا أروع كونها احتدمت بين عشر سفن مرة واحدة أبدعت في فنون الإبحار وكان ذلك مع مغيب الشمس ومنهم من بقي من جهة العالي التي كانت فيها الرياح أشد من الجهة الأقرب إلى البر والتي تواجدت فيها سفن عديدة كانت مستسلمة فعلاً.

ومنها من فكر بالانسحاب وكل هذا قبل 500 متر على خط النهاية، وشاءت الرياح أن تتقلب مرة جديدة وتنتعش من جهة البر وتخف مرة واحدة في جهة العالي لتبتسم تلك الرياح أو تسير تلك الرياح لسفينة عزام وتدفعها بثبات نحو خط النهاية في المركز الثالث بعد أن كانت في المركز التاسع في حين دخلت سفينة سردال صاحبة الصولات والجولات في المركز الرابع بعد أن خذلتها الرياح عند خط النهاية وبعدها صليط في المركز الخامس وبعدها الزير في المركز السادس والعز في المركز السابع والمنادى في المركز الثامن وشمردل في المركز التاسع والوصل والزاهي والعديد ونشوان والقفاي والجيون وداماس ومنصور ووحداوي والوجبة وليوا في المراكز من العاشر حتى العشرين.

حارب: الرياح خالفت كل التوقعات فأنتجت سباقاً صعباً ومميزاً

وصف سعيد حارب نائب رئيس الاتحاد الإماراتي للرياضات البحرية سباق الميناء السياحي للسفن الشراعية الذي أقيم أمس الأول بالسباق الصعب والمميز في نفس الوقت وقال: «السباق كان واحداً من أصعب السباقات في هذا الموسم، بل في المواسم الماضية ولكنه كان متميزاً عن غيره كونه تطلب الكثير من الجهود من المشاركين».

وتابع حارب: «الرياح عكست توقعات الجميع من النواخذة والبحارة إلى اللجنة المنظمة وصولا إلى الأرصاد التي نستمدها من الأجهزة الإلكترونية وكانت في البداية غربية مناسبة ولكنها خرجت عن التوقعات على المسار».

وأكد حارب: «أن هذه التقلبات والتغيرات فرضت علينا كلجنة منظمة تحدياً حقيقياً ووضعنا أمام أمرين إما الإلغاء وإما المواصلة بسبب الرياح التي واكبت السباق والتي كانت معاكسة وشبه معدومة لمجرى السفن ولكننا خرجنا بقرار مواصلة السباق إذا تمكنت السفن من تجاوز منطقة النخلة وهكذا حصل بالفعل وواصلنا السباق.

ومضت السفن بتكتيكاتها الخاصة وتوجه العديد منهم إلى خيار العالي ومنهم من توجه إلى جهة البر الأمر الذي شجعنا أيضا لإبقاء السباق مستمراً كي لانظلم الذين قطعوا المنطقة المذكورة وخصوصاً الأوائل الذين حسبوا حسابات صحيحة لاتجاه الرياح وتقلباتها وخصوصاً من قبل السفينة المتصدرة سفينة أطلس التي تميزت عن الآخرين وقامت بعملية الخايور مرتين في القوت الذي لجأ العديد من السفن إلى أكثر من عملية للخايور لتصحيح المسار على خط سير السباق من أجل الوصول إلى خط النهاية».

وختم حارب قائلا: «السباق حقق الهدف المنشود والمرجو منه ومر جميع المشاركين في جميع مراحل الإبحار التراثية والوصول منها إلى بر الأمان أو خط النهاية ، كما حقق السباق الرسالة المرجوة وهي تعليم الأجيال الجديدة فنون الإبحار في ظروف مناخية صعبة فيها رياح متقلبة ومتعددة الاتجاهات وتطبيق حكمة فن السفر البحري عبر الشراع العربي والصراع لكيفية الوصول إلى الهدف.

زياد الحاج