من بين الكنوز الكبيرة التي يتجاهلها الناس كنز (الصمت). هذا العالم الواسع والغامض الذي لا يستفيد منه احد على الرغم من احتوائه على حكمة الحياة كلها.. ولو قدّر للحكماء جميعهم على مر الأزمنة أن يتفقوا على شيء واحد يصلح لإنقاذ الإنسان من الضياع لقالوا جميعا:
الصمت ولا شيء غير الصمت. حيث تتجلى الحكمة وتتكشف حقيقة الوجود كلما غرق الإنسان في الصمت وفهم إبعاده الواسعة التي تتجاوز الزمان والمكان..بل إن بعض الحكماء يرون في الصمت بأنه الأصل وباقي الأصوات مجرد ظلال له، ولا وجود للصوت من غير الصمت فهو منبعها ومنه تبدأ واليه تعود، فالأصوات كلها تولد من الصمت الذي هو مكون أساسي من سر الكون.
ولا يقصد الحكماء هنا الصمت العادي بمعناه الظاهر مثل السكوت أو عدم الكلام، بل الصمت الأعمق الذي يدخل في تركيبة الأشياء كلها، الصمت الذي يكوّن ويملأ الفراغ العظيم للكون، والصمت الذي يتخلل أجزاء الثانية وأجزاء الكلام وسكتات الموسيقى ونبضات القلب..أي الصمت الذي يحتل ويملأ بالتالي جميع الفراغات بين أصوات الحياة بما فيها الأصوات التي يسمعها الإنسان في عقله والأفكار التي تتوارد إلى ذهنه. فبين فكرة وأخرى هناك الصمت وهو الذي يربط بين كل تلك الأفكار.
بهذا المفهوم الكبير لمعنى الصمت نستطيع أن ندرك أهمية أن يلتفت الإنسان إلى الصمت كقيمة وجودية يجب استغلالها واستثمارها للارتقاء بالوعي والحس. وكلما تأمل الإنسان في الصمت الموجود خارج جسده كلما ازداد فهمه لذاته وللصمت الذي يجب ان يكون في داخله.
أنت تشعر بالصمت الموجود في الأكوان البعيدة وتراه طبيعيا حيث السكينة والهدوء والسلام، وكذلك الحال في أعماقك ينبغي ان توجد مساحات كافية للصمت الذي هو الأصل ومرتع السكينة الداخلية، لا ينبغي للأصوات الخارجية أن تهيمن كلها على وجودك وسمعك وتفكيرك..أنت تحتاج يوميا إلى جرعات كبيرة من الصمت لكي تغوص في أعماقك وتنعم بالاطمئنان والراحة، صمت خارجي تبتعد فيه عن كل الأصوات والضجيج، وصمت داخلي تتوقف من خلاله عن التفكير من أي نوع.
كان (أحمد) يقضي يومه كله في الإصغاء إلى الأصوات من حوله. كلام فارغ، وشايات، قراءة صحف، تلفزيونات، ثرثرات، وغيرها. وفي الليل حين يعود مشحونا بهذه الأصوات ويهبط في سريره تظل هذه الكلمات والضحكات والمواقف تتردد في وجدانه وفكره وتعيد نفسها مثل صدى بعيد يتكرر بشكل مزعج. أدرك (احمد) أن وعيه بنفسه أصبح محدودا في دائرة ضيقة واحدة من الصباح حتى المساء..
ولكي يتخلص من هذه الآفة ابتدع لنفسه فلسلفه بسيطة هي (الإصغاء إلى الصمت) وراح يدرب نفسه كل يوم على الإصغاء إلى الفراغ من حوله وهو جالس في صمت تام. ثم تطور الأمر بالإصغاء إلى الصمت في داخله، كلما طرأت فكرة في ذهنه طردها..وبالتدريج بدأ يتلذذ بالسكينة التي يوفرها الصمت..وصار يقول: يالها من نعمة عظيمة.