الأسلوبية منهج نقدي حديث، يظل فيه النقد يتحرك داخل منطقة النص الشعري، ينبع منه ويصب فيه وهو يبحث عن الجمال من غير ان يغرق النص بالتفسيرات التاريخية والاجتماعية وحتى النفسية. ولو عدنا نتصفح تراثنا الأدبي لوجدنا إحساس العربي بالأسلوب قديما قدم معرفتهم بالشعر وتنقيحه ومعاودة النظر فيه حتى يستقيم لفظا وموسيقى ومعنى.

وقد ظنوا ان روحا شيطانية تلهم الشاعر وتفجر القصيدة في نفسه، وان شيئا ما يسكن لغة القصيدة، وشيئا ما يسكن لغة القرآن الكريم يصل به إلى الاعجاز، ومن هنا وصفوا الرسول الكريم بالشاعر مرة وبالساحر والكاهن أخرى وبالمجنون ثالثة وما ذلك إلا لأنهم انبهروا بالقرآن ودهشوا وتحيروا في أسلوبه وروعة بيانه، فملك عليهم قلوبهم وعقولهم.

كما ملك الشعر عليهم قلوبهم وفتنت به نفوسهم. وظلت أدواتهم النقدية غير قادرة على ان تسعفهم في التقاط ذلك السحر المحير الذي ظل مصدر الاثارة والاعجاب، غير أننا نلمح الأسلوب يتوارى وراء مصطلحات شتى كالبلاغة والفصاحة والبيان والسحر والحلال وغيرها وهي بلا شك إشارات على إدراكهم بوجود بعد جمالي للغة.

ولم يكن الجاحظ بعيداً عن حقل الأسلوب حينما قرر ان ترجمة الشعر أو نثره تفقده روعته (والشعر لا يستطاع ان يترجم ولا يجوز عليه النقل ومتى حول تقطع نظمه وبطل وزنه وذهب حسنه وسقط موضع التعجب منه وصار كالكلام المنثور المبتدأ على ذلك أحسن وأوقع من الكلام الذي حول عن موزون).

فالذي يتحطم عند ترجمة الشعر أو نثره هو الأسلوب وحينئذ لن يبقى شيء من الشعر لان (الأسلوب هو الذي يقي عملية الخلق من الاجهاض).ولما كانت القصيدة هي أداء المضمون بأشد الوسائل الفنية جمالا أو كما يقول ارشيبالو ماكليش: لا تعني بل توجد أي ان مضمون القصيدة كفكرة مجردة يمكن نثره أو تفسيره أو شرحه لكن ذلك لا يعني نثر أو تفسير أو شرح القصيدة ذاتها، فالقول بإن ذلك النثر للمضمون الفكري هو القصيدة فهذا ما لا يقبله عقل الناقد الحديث.

لقد استطاع الجاحظ ان يحدد فعل الأسلوبية بدقة وهو طريق التعبير عن المعنى وبذلك يكون مفهومه عن الأسلوب مطابقا لمفهوم النقاد الأسلوبيين المعاصرين وهو ان الأسلوب هو (الذي لا يهتم بماذا يقول، ولكنه يهتم بكيف يقول).