في مسرحية الزائلون Les Ephémères تقدم المخرجة الفرنسية أريان منوشكين Ariane Mnouchkine تفاصيل من الحياة اليومية لأناس يتابعون حياتهم بشكل اعتيادي ويبدو أنها في هذا العرض تتبع منحى جديدا يختلف عن العروض السابقة التي اتسمت بالطابع الملحمي ذي التقنيات الإخراجية الضخمة.

فهي تعرض بشكل واضح شريط صور حميمياً لحياة عائلة فتبدو المسرحية وكأنها مجموعة من الأحداث المتتالية حيث يقدم الممثلون لوحات مختلفة على منصات متحركة يدفعها تقنيون على الخشبة. تتم المشاهد الأولى بشكل صامت حيث نرى الممثلين على المنصات المتحركة التي يدفعها التقنيون فتبدو مختلفة في كل مشهد.

تنخفض الأضواء تدريجيا وتنطفئ على الخشبة ثم يخيم صمت تتبعه موسيقى هادئة. وهنا يبدأ العرض بدخول تقنيين يجرون منصة متحركة تحمل أثاث منزل: كنبة وطاولة، ثم يحاولون تركيب هذا الأثاث على المنصة المتحركة. يتم هذا المشهد بصمت كامل يرافقه تقاسيم على الموسيقى ثم يخرج التقنيون.

ومن هنا فإننا نلاحظ أن العائلة تشكل محور العرض فعلى خشبة المسرح تتوالى مشاهد روتينية يشعر المشاهد أنه قد عاشها فمثلا نرى مشهد امرأة فقدت أمها وباعت بيتها لرجل ثري. وفي مشهد ثان نرى زوجاً يفترق عن زوجته فالمرأة تذهب لملاقاة حبيبها مصطحبة معها ابنتها الصغيرة.

في مشهد آخر نرى امرأة تتعرض للضرب وتحاول إنقاذ ابنتها عند إحدى العائلات. وهناك أيضاً مشاهد لأطفال يلعبون ولامرأة تحضر طعام المدرسة لابنتها الصغيرة. كل مشهد من هذه المشاهد القصيرة والمتعاقبة يعبر عن زمن دخول المنصات والممثلين من طرف الخشبة وخروجها من الطرف الآخر حيث إن زمن كل مشهد لا يتجاوز الخمس دقائق وفيها نتابع تفاصيل من حياة أولئك الأشخاص.

يشكل الارتجال القاعدة الأساسية في عمل المخرجة أريان منوشكين التي اعتمدت في إخراج المشاهد التسعة والعشرين على العمل الجماعي كما جرت العادة في التدريبات المشتركة وانطلاقا من التجارب الواقعية لأعضاء فرقة مسرح الشمس. وهكذا فإن العرض يتشكل من تلك الأيقونات اليومية الصغيرة التي يمكن فهمها في نهاية العرض على أنها شرائح متنوعة من حياة العائلات في المجتمع المعاصر والتي تتم في أجواء حميمية أحيانا وتغلب عليها الطابع الاعتيادي المألوف.

تقول أريان منوشكين عن العرض: «نقدم عرضا يتكلم عن اللحظات الراهنة. عرضا يقدم لحظات عشناها ونحن نأمل أن تكون هذه اللحظات قريبة جدا من اللحظات التي عشتموها. يتحدث العرض عنّا جميعا وقد قمت بالبحث وتسجيل الملاحظات عند لقائنا بالناس العاديين الذين يشبهوننا».

عبر هذا العرض الذي لا يحدده لا زمان ولا مكان تأخذ المشاهد بعدا عالميا حيث إن التفاصيل المتكررة واليومية للناس تحتل معظم أوقاتهم ومن هنا فإن المسرح يدخل إلى هذا العالم المصغر الذي يتم تجاهله باعتباره رهن الممارسة اليومية. عودت المخرجة أريان منوشكين الجمهور الفرنسي على تقنيات إخراجية ضخمة تفيض بمشاهد الإثارة التي تحتاج إلى ديكور ضخم بهدف إضفاء إثارة على تلقي المشاهد للعرض وفي هذه المسرحية نراها تأخذ منحى آخر فهي لا تعتمد إلا على تقنية المنصات المتحركة دون أن تهمل الموسيقى المرافقة للعرض والتي ترافق بداية ونهاية كل مشهد.

باريس ـ منتجب صقر