لا شك في أن ما تتعرض له البيئة الطبيعية لكوكب الأرض بمجالاتها.. البري منها والمائي والفضاء من انتهاك لخصائص هذه المجالات، وذلك بسبب التمادي في سباق الإنسان لإشباع رغباته المادية والنفسية بالسيطرة على أكبر كم من مواردها والإسراف في استغلالها من دون اعتبار لنتائج هذا التمادي للإسراف اللا مسؤول.

من أجل التنبيه ولعله التحذير من مخاطر هذه النتائج أطلق بينالي الشارقة الدولي للفنون صيحة من أجل الكف عن الممارسات الضارة بالبيئة الطبيعية، ونتناول أحد النماذج الفنية المشاركة في هذه الصيحة حيث يبدو أن مفاهيم المساواة بين البشر والدعوات إلى نبذ الفروق والتمييز بين بني الإنسان لا تنطبق على ما يستهلكه الإنسان ولا على ما ينتج عن عمليات الاستهلاك تلك؛ خاصة من وجهة نظر الفنانة التشكيلية الهندية رانجاني شيتار، وبالتالي فإن من يقول بتشابه النفايات فهو مخطئ، ومن لا يرى الفرق الشاسع بين هذه النفايات فهو أيضا على خطأ.

هذا ما تراه الفنانة شيتار وبهذا المفهوم تنطلق رسالتها من خلال مشاركتها في فعاليات بينالي الشارقة الدولي للفنون، والتي استلهمتها من مخلفات حديد السيارات البالية لتنفذ مجسمات تجريدية ذات دلالات جمالية، ولتعلن أن المفهوم السائد تجاه تشابه النفايات ليس صحيحا فهناك فرق شاسع بينها؛ لأن النفايات تعكس مستويات الأسر وطرائق حياة الناس، كما تعكس مستوى البلد الاقتصادي.

وراء هذه القناعة سارت شيتار، ومن تلك المخلفات نبع الإلهام، الذي حاولت تجسيده بتلك المواد، وذلك لتفضي دلالتها إلى مفهوم مفاده أن الأشياء تعيش أكثر من مرة واحدة، علما أن مكبات المخلفات الاستهلاكية في كثير من مجتمعات العالم أصبحت مصدرا لا بأس به لموارد تعتاش منها أعداد كبيرة من الناس.

ومع ذلك تؤكد شيتار تركيزها على ضرورة الابتعاد عن أساليب البذخ المكلفة، والاكتفاء بالرفاهية الرحيمة بالطبيعة وبالبيئة، طالما يمكن اقتناء الأشياء نفسها وتخليقها أو تصنيعها من المواد التي سبق استخدامها ببساطة وبتكلفة أقل، مؤكدة على أن البساطة التي كانت خيارا في العادة، فهي اليوم..

ومع ما يحيق بالحياة البيئية من مخاطر وأذى غدت إجبارا لابد من الاستسلام له، وذلك بالتنازل عن الاشتراطات والاختيارات القائمة على العناصر الأساسية أو المواد الخام، والمغرقة في الاعتماد على مكونات الطبيعة مما يؤدي إلى زيادة استنزافها وبالتالي زيادة تلوثها جراء ازدياد المخلفات التي يمكن تفاديها بإعادة تكرارها أو (تكريرها) أو تصنيعها.. وكأنما تخلص شيتار إلى القول بضرورة الرفق بمحفظة الطبيعة ومحفظة الإنسان من خلال الحد من نزعات البشر إلى مظاهر الرفاهية وإلا فالإفقار والفقرات لا محالة.

فاطمة محمد الهديدي