حين نتوصل بأحاديثنا عن المثقف والثقافة وهموم المبدعين إلى إشكالية العلاقة بين المؤسسات الثقافية وبعضها البعض، وبين المؤسسات الثقافية والأفراد.. نقر جميعنا بوجود خلل في تلك العلاقات، ولكن لم يجرؤ بعد أحد الطرفين على المكاشفة الواضحة والصريحة، ولكون الموضوع يخص أولاً أبناء الإمارات، يمكننا نحن كمراقبين إلا تكون شهادتنا مجروحة من جهة، وأن نكون أكثر موضوعية من جهة ثانية.. أما الشفافية ـ هذا المصطلح الجديد ـ فلا يمكن تبنيها، لأن الضبابية تلف الموضوع برمته أصلاً.
وانطلاقاً من المثل القائل: «لا ترى خيري إلا حين تجرب غيري» يمكننا التأكيد، على الأقل من تجاربنا، إنه لا توجد أي دولة عربية، وغربية أيضاً، تدعم مبدعيها كما تفعل الإمارات، ولكن كيف يتم هذا الدعم ومتى ولمن..؟ ربما في هذه الأسئلة يكمن جانب من إشكالية العلاقة بين المؤسسة والفرد.. وفي الحديث عن تقاسم المسؤولية، لا بد من المكاشفة، والأمثلة كثيرة، آخرها كان معرض للصور الفوتوغرافية في صالة مطر بدبي.
وشكل هذا المعرض «ع الجدار» للمصورتين الإماراتيتين حصة فلكناز وعبير بن جرش مفاجأة للجميع، ليس من حيث ما تم عرضه على الجدران وحسب، بل من حيث كمية ونوعية الحضور، ومسيرة الفنانتين الصامتة والهادئة طوال عدة سنين، إضافة لإثارته لأسئلة جديدة عن المواهب المخبأة في الإمارات، والدعم المؤسساتي لتلك المواهب، من حيث تسليط الضوء عليها ومتابعتها.
ضم المعرض نحو خمسين عملاً للفنانتين، أكد تنوعها أن ثمة تراكماً بحثياً هادئاً أكان على صعيد الأمكنة أو الموضوعات.. وإضافة للحرفية العالية في التعامل مع اللون والظل والضوء، هناك إبداع لافت في الزاوية التي يتم منها التقاط وصقل الجمال المغاير للأشياء التي قد نشاهدها بشكل يومي ولا تلفت نظرنا، وهناك اختيار لحضور اللون في الشيء ذاته، كالتعامل برهافة وشفافية مع أوراق الورد، أو مع تفاصيل الزهرة الداخلية، أو تدوين لحظة عابرة من تغيرات الطبيعة..
أو التعامل مع الوجوه بطريقة خاصة يظهر التركيز على ملامح معينة، خاصة العيون، الأبعاد النفسية لأصحابها.. ورغم التنوع في الأمكنة التي منها شوارع أو بنايات أو مناظر طبيعية في مدن عالمية، إلا أن المشاهد للمعرض يعرف أن الفنانتين من بنات الإمارات.
ولم يكن نجاح المعرض بما فيه من لوحات وحسب، بل في التغطية الإعلامية وكثافة الحضور... ولكن يمكن لعنوان المعرض «ع الجدار» أن يصير على حبل الغسيل» حين نرى مستوى أعمال تلك الفنانتين، وتطورهما المتصاعد عبر نحو أربع سنين دون أي معرفة أو تدخل أو احتضان من قبل أية مؤسسة ثقافية، رغم إن تتويج جهد الفنانتين الفردي كان بافتتاح مجلس دبي الثقافي للمعرض، وإعلانه تبني تلك التجربة.
حين التقت «البيان» مع الفنانتين أكدتا تحمل المسؤولية في عدم التواصل مع أية مؤسسة رسمية.. كيف ولماذا؟ ومجلس دبي الثقافي أكد بلسان أمينه العام الدكتور صلاح القاسم إنه علم متأخراً، ومع ذلك أبدى استعداده لتبني تلك التجربة.. وأيضاً كيف ولماذا ؟ وهل ثمة مواهب مازالت خلف الجدران؟