ذهبت الجائزة الأولى في بينالي القاهرة الدولي العاشر الذي أعدته وأقامته وزارة الثقافة المصرية خلال شهر ديسمبر الماضي، إلى الفنان التشكيلي السوري المقيم في فرنسا «ماهر البارودي».
وذلك على لوحتين بقياس 135 في 210 سم نفذهما بتقنية الأسود والأبيض (قلم فحم) تناول فيها مأساة الإنسان المعاصر وهواجسه، من خلال اسقاطها على (الخروف) الذي رمز فيه للضحية عندما رسمه على شكل ذبائح معلقة، وإلى جانبها أسعارها، بينما يطل رأس للخروف أو (أكثر) من مقدمة اللوحتين، حاملاً تعبيراً خاصاً تتماهى فيه حالة الألم بالنشوة، والمأساة بالملهاة، والخوف بالبلاهة، والاستكانة بالصراخ، ومازاد من سوداوية التعبير وعمّقها، اعتماد الفنان الأبيض والأسود وتدرجاتهما من الرماي، وسيلته للتعبير عن هذا الموضوع.
تألفت لجنة التحكيم الدولية ببينالي القاهرة العاشر من ماركو فالورا، وماركو بييريني من ايطاليا، وكارلوس اشيلا من المكسيك، وإزابك تخدا من أسبانيا، وبيتر موري من ايرلندا، وفريد زاهي من المغرب، وعبدالجعفر شديد من مصر. منحت لجنة التحكيم عشر جوائز في البينالي، كانت الأولى من نصيب ماهر البارودي الذي شارك باسم بلاده (سوريا) رغم ان الدعوة التي وجهت إليه كانت شخصية!
جمع البارودي ببراعة وتوافق وانسجام، بين ممارسته لفن النحت والتصوير، وأعطى في المجالين، أعمالاً لافتة، وهو يرى أنهما يكملان بعضهما البعض، بل كل واحد منهما بحاجة للآخر، فالنحات الجيد لابد أن يكون رساماً جيداً، والعكس صحيح أيضاً.
حول اختياره للخروف مادة رئيسية في أعماله الأخيرة في النحت والتصوير، يقول الفنان البارودي أن تجربته الفنية التي مر عليها ما يقارب ربع قرن من الزمن، كان خلالها دائم الانكباب على العمل المتواصل، على موضوعة الإنسان القاهر المقهور، فثمة فئة قليلة ظالمة ومتحكمة، وفئة كبيرة مظلومة. عمله على هذا الموضوع، أفرز تجارب كثيرة في النحت والرسم، لكنه في السنوات القليلة الماضية، بدأ باستخدام الحيوان الذي يقبع في الأغلى، والإنسان في الأسفل.
من هنا توصل البارودي إلى قناعة بأن الحيوان يمكن أن يكون وسيلة تعبير فاعلة في التأثير على عواطف الناس، والخروف بشكل خاص، يعتبر حيواناً مسالماً، ويمكن إظهار تعابير فاعلة ومؤثرة على عواطف الناس من خلاله، فهو قد يكون مستسلماً خانعاً خاضعاً أو هادئاً ومسالماً، وأحياناً أخرى يكون ثائراً وغاضباً، وهذا الأمر تحدده في العادة، حالة المشاهد وطبيعته، أثناء وقوفه أمام العمل الفني.
وحول علاقة الرسم والنحت، يقول الفنان ماهر البارودي إنها كالعلاقة بين عاشقين، كل منهما يستفيد من إمكانيات وتجارب وخبرات الآخر، في البداية اكتشاف واختيار، وفي النهاية تلاحم، وهو دائم التنقل بين الرسم السريع (الكروكي) والتصوير الهادئ والمتعدد الثقافات، وبين النحت أو التعبير بالحجم، وهي في المحصلة، عملية تجريب واكتشاف تصب في النهاية، في إغناء وإثراء المادتين معاً، إن كان على صعيد الشكل أو المضمون.
دمشق ـ د. محمود شاهين