تتفق جميع المدارس الروحانية والفلسفية على أهمية الإصغاء إلى الصوت الداخلي النابع من أعماق الذات، وبعيداً عن الاختلافات الشائعة في تحديد أو تسمية مصدر هذا الصوت بأنه (صوت العقل) أو (صوت الضمير) أو (الإلهام) أو غير ذلك، إلا أن الجميع يتفقون على الأهمية الكبيرة لتدريب الذات على فهم الرسائل التي تأتي فجأة إلى العقل أو الخاطر والتوقف عندها ومراقبتها ومعرفة كيفية حدوثها.. وهذا يعد من الأولويات والضرورات التي يحتاجها كل فرد يريد أن يطور من أدواته المعرفية وان يرتقي بحواسه إلى الدرجات العليا.
كثيرون يتخذون قرارات مصيرية في حياتهم بناءً على خاطرة أو فكرة شاردة وردت على البال، لكنهم لا يعرفون من أين جاءت لهم هذه الخاطرة وفي هذه اللحظة بالذات؟ ولا يكلفون أنفسهم عناء البحث في هذا السر العظيم.. هل كان ذلك مجرد تداعيات من العقل؟ كيف تصل الأفكار إلى العقل؟ هل هو صوت يأتي من الخارج على شكل توارد أفكار؟ أم هو صوت من الداخل؟ أم هو صورة خيالية تنطبع في الذهن وتتحول إلى فكرة؟
المدارس الفلسفية لا تشرح كيفية حدوث ذلك، لكنها تركز على أهمية أن يتحول الإنسان إلى مراقب لأفكاره وكيفية تواردها على الذهن.. وبمراقبة الأفكار يمكن السيطرة عليها وفهم كيفية عملها ونظامها وبعدها يمكن التحكم في مقدار تأثيرها علينا.
هناك مدارس تدرب الإنسان على السماح لكل أفكاره السلبية أو الايجابية بالتدفق وعدم طرد أي فكرة سواء كانت مفرحة أو مزعجة بشرط أن يراقبها.. وبهذه الطريقة لا تعود هناك أفكار ملحة أو مخنوقة أو أفكار سلبية وأخرى ايجابية، وتصبح كلها مجرد أفكار ليس لها سلطة على العقل أو الروح.
المرحلة الثانية في فن التعامل مع الأفكار هي (تحريرها).. فالإنسان يرى ويسمع في اليوم الواحد ملايين الأصوات والمشاهد والتفاصيل، وهي كلها تعلق في ذهنه وتتحول إلى أفكار وذكريات ورؤى وبالتالي تؤثر في نمط تفكيره، بل أنها تعيق التفكير الصافي الحر لأنها تظل ترد على الذهن باستمرار، والحل الوحيد للتخلص منها يكمن في (الاسترخاء اليومي) حيث تسمح مثل هذه الجلسة، وان كانت لمدة نصف ساعة فقط، بتحرير الأفكار التي بلا معنى وطردها نهائياً في نوع من الغسيل أو الاستحمام الذهني اليومي..
وتعتمد جلسات الاسترخاء على مبدأ (التركيز)، وإذا استطعت أن تركز ذهنك على فكرة واحدة لأكثر من عشرين دقيقة، فانك تطهر عقلك من ملايين الأفكار الأخرى التي لا ترغب بها والتي تزعج روحك وتعيق صفاء ذهنك.
المرحلة الأهم في هذا الموضوع هي في تطوير مهارات الإصغاء لصوتك الداخلي.. اجلس في هدوء واغمض عينيك لمدة نصف ساعة وجرب أن تصغي لنفسك، راقب كيف تتلاعب بك الأفكار التي ستأخذك بعيداً ومن مكان إلى مكان (راقبها فقط).
حاول أن تصغي إلى أعماقك وستجد انه من بين كل الأصوات التي تسمعها هناك صوت واحد حقيقي وصادق.. صوت يلح عليك ويريد منك أن تفعل الصواب لكنك تتجاهله باستمرار وتطرده بعيداً مقابل تشبثك بأفكار أخرى ربما تضرك أو تقودك إلى الشر والهلاك.. ولكي تتفوق على ذاتك عليك أن تتبع هذا الصوت الحقيقي وان تسمع له وان تتركه ليكون دليلك في الحياة.
akhozam@yahoo.com