الطريق إلى باصورا أطول الطرق المؤدية إلى مدن العالم القديم. ولكن هناك من يزعم أنها أقصر الطرق إلى أية مدينة مؤشرة على الخرائط الجغرافية في أي عصر من العصور، وأنا من هؤلاء الزاعمين. ما أكثر الخرائط التي رسمها الرحالة القادمون إلى باصورا، فعدد الخرائط المرسومة في يوميات رحلاتهم لا تحصى، والطرق المؤشرة عليها أكثر من أن تُحدد بطريق واحدة. إلا أن الحرائق التي تأتي على مكتبات باصورا في كل عام، محت صورة المدينة الأصلية من الوجود.

ولا يتداول مواطنو باصورا غير كتاب واحد، مستنسخ بعنوانات مختلفة، أشهرها كتاب بعنوان «الطريق إلى باصورا» يحوي خارطة تسمى بخارطة «الطرق المسدودة».

اصطلح مخططو باصورا المتأخرون على تسمية طرقها بالطرق المسدودة، لأن أهلها غالباً ما يضيّعون السبيل الصحيحة إلى بيوتهم، فيطرقون أقرب الأبواب إليهم لطلب حاجة ما أو لقضاء ليلة في فراش دافئ أو للحصول على اسم مستعار. اعتدتُ ان أستقبل أكثر من طارق في اليوم يسأل عن اسمه الذي فقده، فأمنحه الاسم الذي يناسب الوقت والهيئة التي يبدو عليها، وحينئذ يغادرني مسروراً بالهبة التي سترشده إلى بيته.

وعندما فقدت سبيلي إلى بيتي في منتصف ليلة مدلهمة، وجدت نفسي في ضيافة رجل اشتبكت لحيته بحبال الحصير الذي يفترشه، فبادرني باسم سيلصق بي إلى أبد الآبدين. منحني الرجل المجدول بالأرض اسم (بوراني) وهو اسم يعني في لغة باصورا: القصاص أو المتخلي أو الجالس على الطرقات.

لا يسافر أهل باصورا إلى أي مكان، فهم يعتقدون أن مدينتهم سرة العالم، وسر الأكوان المغلق، وعقدة الطرق البرية والبحرية، وجذر الكلمات المتفرع في لغات الأرض.

ويحتوي كتاب «الطريق إلى باصورا» حكاية رواها مسافر جرفه الحظ النادر إلى باصورا، رأى أربعة رجال جالسين على حائط واطئ، فطاف مدن البلاد وعاد إلى مجلس الرجال الأربعة فوجدهم لم يبارحوا مكانهم وقد صاروا جزءاً من الحائط المتهدم. كان الرجال الأربعة من طائفة «المتخلين» الذين تتجذر أقدامهم في أديم باصورا، وتنحبك لحاهم بنسيج اسمها، وتضيع أعمارهم في تيه طرقاتها المسدودة.

اكتشفتُ باصورا في ربيع عمري، عندما تقدمتُ خطوات من حائط دار السينما الصيفية الذي يقتعده صفّ من المتفرجين يحيط برواد السينما المتناثرين على كراسي القماش في الفناء المفتوح أمام الشاشة البيضاء العريضة. كان ذاك أول خروج لي من الحي الذي أسكنه، ويسمى حي (الباشا) أي (قدم الملك). في ذلك المساء شاهدت أشباحاً تتحرك على نصف الشاشة الظاهر من سياج السينما الصيفية، ثم تحركت الأيدي فأصعدتني وفسحت لي في الجلوس على قمة السياج.

بهرني العرض الصيفي لشريط الأشباح الفضية، وربطني منذ بدايته برباط المتفرجين المتلصصين من قمة السياج زمناً، حتى حصلت على لقب «البوراني» فدخل لغة باصورا معنى إضافي لهذا الاسم الخيالي، هو معنى «المتلصص السينمائي» المتفرع في أحلام الحيطان المتسلقة.

اكتشاف بعد اكتشاف، أصبحت باصورا أصغر فأصغر على رقعة الأرض، سلختُ عمري في الطواف حولها.

الناس في باصورا يسيرون في كل اتجاه ما لم يصدهم جدار أو طريق مسدودة، أو يخب ظنهم في التوصية المرفوعة فوق رؤوسهم «سر ودع غيرك يسر». كانت سوق الجلود ملتقى الباصوريين الأثير، ومرتعهم الأخير. وقد أبليتُ وحدي أزواجاً من الأحذية لا يبليها عشرة مشاءين مجتمعين، ثم استغنيتُ عن الذهاب إلى سوق الجلود عندما بلغت مرتبة «المتخلين» الحفاة وصرت أمشي مثل دويبة تقطع المهاد والشعاب والخرائب في رأس درويش نائم عند أحد أبواب باصورا منذ قرون. صرتُ ذلك المتخلي النائم، وصار أحد معاني لقبي «السائر أبداً في منامه».

لكن المراتع التي يقصدها الباصوريون أكثر من غيرها هي ملاعب الوقت، ويتقن مواطنو باصورا أنواعاً مختلفة من الألعاب المنصوبة في مدخل كل جادة وحديقة وسوق. وكانت باكورة ألعابي على شواطئ الأنهار، أشكّل من صلصالها صفوفاً متراصة من جنود الطين، أسوقها وأسبقها إلى ميادين القتال، حتى وقعتُ في أسر جيش قوي مقابل وأُرسلتُ مع جنودي إلى كورة النار، فوجدتُ هناك أمة من الأشخاص المفخورين، سيقوا قبلنا إلى حروب باصورا.

تدرجتُ في ألعابي من دمى الطين إلى أشكال الفراغ الإلكترونية، وفي مرحلة وسطى شُغلتُ بنصب مزاول الوقت على سطح داري، أجذب إليها أوقات الغابرين من عامة الناس وسراتهم.

تركتُ أوقات العامة تمر مسرعة على سلالم مزاولي، واستبقيتُ أوقات الملوك والأباطرة، أبطال «الشاهنامة» و«المهابهاراتا» و«الليالي العربية». تزوجت الجواري، وشاركت في مؤامرات البلاطات، وسقطت رأسي بسيف سلطان يحكم مملكة في بحر الظلمات، وأُرسل الرأس في صندوق إلى مسقط رأسي الأول في باصورا.

ويحلو لزوجتي مناداتي، مشيرة إلى صف الرؤوس المقطوعة التي ترصها في كومودينو البيت: «بوراني خذ هذا الرأس بدلاً من ذاك قبل خروجك من البيت، فشعره المسترسل يجلب لك الحظ».

استبدلتُ الأعداد والحروف المتوافقة بأحجار الشطرنج والداما على الرقع المنصوبة في مداخل الحدائق، ولعبتُ على رقعها أدوار الدراويش المولوية ونفخت في قصباتهم مثنويات مولانا جلال الدين الرومي، وعرجت على رياضيات الخوارزمي والبلخي وابي معشر، ثم دخلت مرحلة يوغا التخلّي التي حولتني إلى بيدق لا يحير عن مكانه على رقعة الألعاب الحجرية.

يقترب مني لاعبو باصورا ويتركون بين يدي صدقاتهم وعطاياهم، وقد يلعبون إلى جانبي دسوت «البراغيث القافزة» و«البطيخة المقسومة» و«الحية والدرج» غير مكترثين بجلستي المتصالبة على الرقعة. وأخيراً تواتيني زوجتي بصحبة بنياتها فيمطرنني بالقبلات ثم يجمعن العطايا المنثورة على رقعتي، ويمضين حاملات صحاف الصدقات والطعام.

أغادر مكاني في ساعات الليل الأخيرة، ولا ينفعني اسمي المستعار في الاستدلال على بيتي. كان تداخل المعاني في أسماء مواطني باصورا المستعارة يبعثر خطواتهم حول الفجوات التي حفروها بمعاولهم في مداخل الطرق المسدودة إلى بيوتهم. أسمع أصواتاً تائهة تناديني من جوف الظلام: «دلني على بيتي يا سردار» و«أعطني كسرة خبز يا راوندي» و«هيا يا بوراني، تعشَّ الليلة في بيتي».

ناداني الصوت الأخير بأحد معاني اسمي «اللاعب بالطين». اقتربت منه وتفرست في ملامح وجهه، فإذا هو واحد من جنود الطين الهاربين من كورة النار، وكنت قد جبلته بنفسي مع عائلته في مرحلة حروب الطين. صحبت رجل الطين إلى بيته، ناوياً مشاركة عائلته عشاءها المتأخر.

moc.oohay@riyyaduhkm