توقع اللورد بالتيمور ـ رئيس المجلس التنفيذي لدار ساثبي للمزادات العالمية أن تتخذ أبوظبي مكانة كبرى في عالم الفن والثقافة في المستقبل القريب، وأنها تخطو بخطوات واثقة وصحيحة لتصبح مركزاً عالمياً للثقافة، لتوفر عوامل عديدة تستند إلى التزام حكومة دولة الإمارات بتطوير العمل الثقافي والفني والانفتاح على آفاق الثقافة العالمية.
وأضاف بالتيمور: لقد ركزت دولة الإمارات عملها ومنهجها الثقافي العالمي من خلال عدة خطوات على الأرض من بينها بناء أكبر متحف في العالم بجزيرة السعديات وإقامة العديد من المشاريع الفنية والثقافية العالمية، كمتحف اللوفر ـ أبوظبي، والتعاون مع عدة أكاديميات ومعاهد عالمية كالسوربون ومعهد غوته وغيرها من المؤسسات العالمية، وهو ما يمهد الأجواء لهذه الدولة بأن تكون جسراً ولقاءً للحوار الحضاري بين مختلف شعوب وثقافات العالم.
جاء ذلك في المحاضرة التي ألقاها بالتيمور أمس الأول في المجمع الثقافي؛ بحضور محمد خلف المزروعي مدير عام هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، وجمهور أوروبي غفير من المهتمين بالأعمال الفنية. وقد بدأ بالتيمور بتحليل العوامل التي ترفع من شأن الأعمال الفنية وتزيد من قيمته المادية، ومن أبرز هذه العوامل هو التعريف باللوحة أو العمل الفني من حيث المبدع وأهميته، ثم التعرف على تاريخها وقيمتها التاريخية ـ إن كانت ملكاً لأحد المشاهير في العالم ـ وهناك عامل مهم أيضاً يعود إلى موضوع اللوحة؛ وكمثال على ذلك تخيلوا الأهمية الفنية للوحة فإن كوخ التي رسمها عن طبيعة جنوب فرنسا.
وهناك من العوامل حجم اللوحة وندرتها، وجودة التكنيك الفني المستخدم، والحالة الراهنة للعمل الفني ـ أي وضع اللوحة أو العمل ـ والقيمة الأدبية بمعنى هل عرضت في أكثر من مكان أم لا؛ وآخر نقطة من هذه العوامل هو ما يعبر عنه بالرسالة الفنية والإنسانية التي يبعث بها العمل الفني.
ثم عرض بالتيمور مجموعة «سلايدات» توضح مجموعة العوامل التي ذكرها في مطلع محاضرته، وكانت أول معروضاته هي لوحة للفنان بول روبن تملكها أحد أمراء أوروبا تصور موضوعاً ليس تجارياً، حيث تظهر مذبحة مرتكبة بحق سكان إحدى القرى الأوروبية في القرون الوسطى، وهو ما رفع قيمتها لتساوي 4 ملايين جنيه إسترليني، ومن خلال عامل الموضوع أيضاً عرض بالتيمور لوحة للفنان البيرت شيفالي تصور مباراة «كريكت» عام 1911م بيعت بحوالي 600 ألف جنيه استرليني، بعدها شاهد الجمهور صورة نادرة لجاكلين كندي تم بيعها وفق مزادات نيويورك بحوالي 250 ألف دولار، كما عرض بالتيمور نماذج من الفن الهندي والصيني والعربي.
وأشار بالتيمور إلى أن القرن الحالي شهد تجاهلاً حقيقياً للفن الحقيقي وتراجع تذوق الفن الجاد والراقي بصورة واضحة، ولعل أبرز محطات ذلك الفن الراقي -حسب قول اللورد بالتيمور ـ هي الفترة الفيكتورية ذات الرسالة الفنية الأبدية، بينما نشاهد الفن الحديث يلعب على وتر المتناقضات وأنظار المتفرجين، ولكن هذا لا يعني أن الفن الحديث لا يملك بين جوانبه رسالة ذات قيمة إنسانية وجمالية.
حيث نرى ونعرض أعمالاً لفنانين حديثين تقارب بعض لوحاتهم وتمس مواضيع دقيقة في حياة الناس، كالدين والمعتقدات والأساطير -كما هو الحال للوحات الفنانين الهنود والإيرانيين ـ ومواضيع أخرى تجسد حالة الصراع الإنساني الوجودي. وأشار بالتيمور أنهم في دار «ساثبي» يهتمون لأصالة العمل الفني وأنهم يعتمدون على مجموعة من الخبراء والمستشارين الفنيين وأساتذة تاريخ الفنون من مختلف بقاع الأرض، وأنهم يحاولون الابتعاد عن الإشكاليات الكبيرة التي تقع بها دور مزاد أخرى.
وأشار بالتيمور أنه يسعى لإقامة مزادات علنية للأعمال والتحف الفنية في الإمارات قريباً بعد الإعداد لإقامتها، وأوضح في رده على بعض أسئلة الجمهور أن التزوير والتزييف في الأعمال الفنية يتزايد يوماً بعد آخر في ظل الحرفية العالية التي يتمتع بها البعض، وفي ظل استخدام الأساليب التكنولوجية الحديثة التي باتت تسهل على العديد من الأطراف هذا العمل، كما أشار بالتيمور إلى أنهم كدار للمزاد تحترم العمل الفني من حيث رسالته وطبيعته الجمالية والإنسانية لا يتعاملون ببيع أو شراء أعمال بعض الفترات التاريخية الفنية، كالفترة النازية والفترة الستالينية لأنها تمثل بحسب رأيه قالباً إيديولوجياً يمتهن الروح البشرية التي قام الفن لأجلها.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري