روايته الصادرة مؤخراً «باب الحيرة» تضع القارئ أمام بوابات أسئلة تفرض نفسها لدى مطالعة النص، عبر عوالمه المتداخلة بين الخيال والتصوف والذاكرة. إنها تجربة جديدة ومختلفة أيضاً عن كتابته القصصية السابقة في مجموعتيه «الولوج في الزمن الماء» و«رغبات مشروخة»، ثم جاءت روايته الأولى «باب الحيرة» لتقدم مذاقاً كتابياً مختلفاً عما قدمه سابقاً.
أنجز الأردني يحيى القيسي نحو خمسة وعشرين فيلماً تلفزيونياً توثيقياً عن أبرز الشخصيات الثقافية والفنية الأردنية والأمكنة الجغرافية خلال الفترة من 2000 ـ 2004، كما عمل في الصحافة المحلية والعربية، وأقام في تونس بداية التسعينات وعمل في صحافتها كما عمل في التعليم نحو عشر سنوات وفي وزارة الثقافة مثلها
حيث عمل سكرتير تحرير مجلة صوت الجيل وفنون وأخيراً مدير التبادل الثقافي الخارجي، وهو المراسل الثقافي للقدس العربي اللندنية في عمان منذ 2000، ويعمل حالياً منتج برامج في محطة ATV الأردنية. حول تجربته في الكتابة وعلاقته بالصحافة التقيناه في القاهرة أثناء آخر زيارة له:
ـ بين تجربتك القصصية «رغبات مشروخة» وروايتك الصادرة مؤخرا «باب الحيرة» هناك بعد زمني في الكتابة، لماذا هذا التحول نحو كتابة الرواية؟
ـ مرت تسع سنوات ما بين إصدار مجموعتي القصصية الثانية «رغبات مشروخة»، وروايتي «باب الحيرة»، ولقد كانت هذه الرواية تتلجلج في أعماقي منذ ذلك الحين، ولكن ظروفاً كثيرة حالت دون خروجها مبكراً، ومنها انشغالاتي الكثيفة في العمل الصحافي، ومتطلبات الحياة والدراسة،
ولكن هذه المدة لم تكن في الحقيقة عطالة إبداعية كاملة، إذ أنني وجهت قدراتي وتوهجي نحو الأفلام التلفزيونية الوثائقية، وأنتجت منها كتابة وإبداعاً منذ العام 2000 وحتى 2004 خمسة وعشرين فيلما، مدة كل واحد منها خمسون دقيقة بثها التلفزيون الأردني، وهذا الأمر تطلب مني الكثير من البحث والتواصل مع الآخرين وقراء الكتب ولاسيما أن هذه الأفلام كانت مخصصة عن مسيرة أبرز الكتاب والفنانين الأردنيين،
وأيضاً عن بعض الأماكن الأثرية والسياحية. أما الجانب الآخر فهو أنني شعرت بهجرة القصة القصيرة شيئا فشيئا، وهذا أمر مشترك بيننا، بمعنى أنني هجرتها وهي أيضا ابتعدت عن عالمي، وأعتقد أنها كانت مرحلة من مراحل كتابتي ثم انتهت ولم تعد تستوعب روحي الجامحة، وحين جاءت الرواية كان لابد أن تأخذ حقها مني فأخلصت لها، وانشغلت بها نفسياً ومعرفياً وإبداعياً حتى خرجت بالصورة التي نشرتها بها.
رصد للتفاصيل
ـ الأجواء التي سيطرت على قصصك في «رغبات مشروخة» كانت واقعية وراصدة لتفاصيل من الواقع المعاش، لكن الرواية فيها مزاوجة بين عالمين، العالم الماورائي، أو عالم التصوف كما يتضح في النص، وبين العالم الواقعي، كيف حدث هذا التحول؟ ولماذا الانشغال بهذا العالم تحديدا؟
ـ الكتابة الإبداعية هي بشكل أو بآخر تعبر عن النفس البشرية والقلق الذي يجتاحها، وهي شئنا أو أبينا تشكل جزءاً أساسياً من حالة كاتبها النفسية والمادية وما يحصل لها من تطور، ولست من الذين يدعون بالانفصال التام بين الكاتب وعمله، ولا من الذين يغالون في الظن بأن العمل الأدبي سيرة ذاتية للكاتب أيضا،
لقد كتبت قصص مجموعة «رغبات مشروخة «عبر سبع سنوات وأنا من الذين كانوا ينتظرون لحظة الكتابة الإلهامية، أي صب القصة على الورق في أوان نضوجها، ولا أكتب بطريقة آلية لا حياة فيها، من خلال خبراتي الاحترافية في اللغة والأسلوب كما يفعل الكثيرون، وربما كان الهاجس الواقعي هو الأبرز في هذه القصص،
بل ظهرت السخرية أيضا جلية، وهذا من تأثير القراءات والأحوال المحيطة بي، وما يعتمل في داخلي في تلك الفترة، ولكن رواية «باب الحيرة» جاءت وأنا قد جاوزت الأربعين من العمر، واتضحت الرؤية لدي أكثر تجاه العالم الخارجي، وتجاه ذاتي أيضاً، ولهذا يمكن أن يلاحظ القارئ ذلك الاشتغال على مقولة المتصوفة «من عرف نفسه عرف ربه».
بدا واضحا عندي أن الرواية الجديدة هي التي تقدم المعرفة أكثر مما تقدم الحكاية، ولقد انشغل الكثير من الروائيين العرب بالحكاية وتفاصيلها، وهي «مرمية على قارعة الطريق» على رأي الجاحظ، ولم يعيروا الانتباه إلى تقديم معرفة جديدة مصاغة بشكل سلس ومكثف ضمن الحكاية، وعلى كل حال لم تأخذ «باب الحيرة» بعد مداها في القراءة والنقد، فما قيمة أن يصدر الكاتب منا ألف نسخة لملايين كثيرة من الذين يقرأون بالعربية؟
نهج مغاير
ـ أنت من الكتّاب القلة الذين اختاروا نهجاً مغايراً في كتابة الرواية، أعني أن الكتابة عن عالم التصوف يحتاج إلى كثير من الوثائق والبحث التاريخي، إلى أي حد لعب العنصر التوثيقي دوره في «باب الحيرة»؟
ـ كما أشرت في إجابتي السابقة إنني من الذين يؤمنون بتقديم المعرفة في الرواية أكثر من التركيز على الحكاية، وهذا التوجه عالمي، فأنت تجدين الآن بعض الكتاب الغربيين ممن يوظفون مراكز بحث كاملة أو مجموعة من المتخصصين ليقدموا له المعلومة التي يريد، ومثالنا على ذلك، دان براون صاحب «شفرة دافنشي»
وغيرها من الروايات التي نالت إقبال القراء عليها عالميا، وهناك أمثلة واضحة أيضاً من بعض الكتاب الذين اشتغلوا على الجانب البحثي قبل أن يصدروا أعمالهم، مثل الألماني باتريك زوسكيند في «العطر»، وأمين معلوف في رواياته التاريخية، والأمثلة كثيرة، وأنا استغرب كثيرا من الكتاب الذين يقدمون لنا كل سنة رواية أو أكثر معتمدين على حكاية عرفوها أو سمعوها،
وهكذا يقرأ المرء العمل ثم ينساه في ظل عشرات الأفلام والبشر والصحف الذين يقدمون له الحكايات المماثلة ربما، هذا عدا عن الحكايات التي مرت مع الكاتب أيضا. أنا لا أريد أن أقلل من قيمة الحكاية في العمل السردي فهي ضرورية،
ولكنها بالنسبة لي مثل العمود الفقري الذي يحتاج إلى أن نكسوه اللحم، وأقصد هنا اللغة وجمالياتها والمعرفة المصاغة عبرها، ومن أجل تقديم نص مكثف ومختلف ومغاير للسائد على الكاتب أن يجتهد كثيرا في التمهل ووعي فعل الكتابة، وتقديم المعرفة بطريقة مقنعة وفي السياق لا أن تكون نافرة وعالة على النص.
لقد قرأت الكثير من الكتب واطلعت على المراجع المتخصصة، وقابلت أناسا ممن جربوا الولوج إلى عالم التصوف، وعشت بنفسي بعض هذه التجليات، وكنت أسجل ملاحظاتي أولا بأول، وقد سبق كتابة الرواية كل هذا، ولما صببتها على الورق أو لأكن أكثر دقة كتبتها بواسطة الكمبيوتر، بدأت أوظف ما عرفت،
وأعطيك مثالا من ذلك، فإحدى الشخصيات النسائية في الرواية «هاديا «تونسية من أصول أندلسية، وكان هذا الأمر واضحا عندي لكني لم أعرف متى جاء أجدادها إلى تونس ومن أي البلاد الأندلسية هي، وهذا ما اضطرني أن أتوقف عن الكتابة حتى أشبعت نفسي بمعرفة ما حصل في الأندلس وتعرفت على خارطة البلاد وأسماء القرى والعائلات في تلك الفترة، إن معلومة بقدر أسطر في الرواية قد تحتاج إلى أسابيع من البحث،
وهذا الأمر تم أيضا بشأن اللغة التي اجتهدت أن تكون غنية بالمفردات والدلالات، وأن لا أكرر أو أجتر، وأن أشحنها بطاقة تعبيرية عالية تصل حد الشعر أحيانا، وعلى النقّاد والمتخصصين والقرّاء الأذكياء الانتباه إلى العمل وقراءته بطريقة مغايرة، وهذا ما آمل أن يحصل.
ـ تختتم روايتك بجنون بطلك «قيس» لنقل أنه ليس جنونا بالمعنى الفعلي، بقدر ما هو شك في كل شيء، في حياة البطل، وحياة الأشخاص الذين عرفهم، في حقيقة حكايته ككل، لماذا كانت هذه النهاية، وكأني بك لا تقود القارئ إلى استنتاج أن عالم التصوف هو الخلاص، بل إنه عالم شائك مربك، قد يؤدي إلى جنون من يقترب منه؟ إلى أي مدى صحة هذا الاستنتاج؟
ـ لقد رغبت بطرح الأسئلة أكثر من تقديم الأجوبة، فأنا لا أمتلك مفاتيح الطمأنينة، ولا الخلاص، لست مصلحاً اجتماعياً يرغب بالوعظ والإرشاد نحو طريق الصلاح واليقين، أنا مثل القارئ تماما ما زلت أبحث وما زلت واقفاً في باب الحيرة، وعسى الله أن يقودني إلى الطريق التي لا يتوه المرء بعدها أبداً،
ولكني كما أشرت من قبل أنا مع أن يعرف المرء نفسه من أجل أن يعرف ربه، والمتصوفة قالوا إن الإنسان جرم صغير فيه انطوى العالم الأكبر، والإيمان الحقيقي لا يأتي إلا بعد أن يسأل المرء أسئلته الحارقة ويتلوى ويتلوع في طلب الحقيقة، والأسئلة تفتح الأبواب التسعة والتسعين التي في الرواية ودلالاتها الرمزية.
عالم التصوف قد يجيب عن الأسئلة عند البعض وقد (يجدب) البعض الآخر ويحولهم بهاليل ومجانين، ولكنه برأيي هو الطريق الأكثر قرباً إلى القلب والعقل والروح معاً، ولكن مشكلة قيس حوران أنه استعجل فجرى له ما جرى، ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، وهذه المقولة كما أعتقد لسيدنا على بن أبي طالب عليه السلام.
خبرات متنوعة
ـ ماذا عن تأثير العمل الصحفي والتلفزيوني الذي تحترفه على كتابتك الإبداعية أي هل ثمة خسارات أو مكاسب للجهتين؟
ـ لقد منحني العمل الصحفي في المجال الثقافي تحديدا الكثير من الخبرات، ومن أهمها «التحرير «,وهذا العنصر ساهم بشكل أو بآخر في انتباهي إلى أن تكون كتابتي مكثفة ومصقولة، وبدون زوائد، كما أنه ساهم في اغناء قاموسي اللغوي، هذا عدا عن بقائي مطلعا عن كثب على عالم الثقافة اليومي، وكل ما هو جديد، ويبدو أنه أحيانا يحرض المرء على التمرد، والكتابة بجرأة، ولكن لكل شيء ضريبة،
فمثل هذا العمل يعد محرقة يومية للإبداع، وهو يستهلك الكثير من الوقت والجهد بحيث لو انصب على الكتابة الإبداعية وحدها والتفرغ لها لساهم في إنتاج كتب كثيرة ومتميزة، ولو أنني أرغب بطباعة أعمالي الصحفية على سبيل المثال لعملت منها عدة مجلدات، ولكن ما هكذا تحسب الأمور،
فالتفرغ للكتابة في الدول العربية معناه أن يصبح المرء شحاذاً يسترزق على الأبواب في ظل عدم وجود أنظمة وقوانين داعمة للكتابة الإبداعية، فكل ما حولنا يشجع على «التطفيش» والبعد عن الكتابة، ولاسيما مسألة (موت القارئ)، وعدم وجود من يشجع على اقتناء الكتب.
المسألة المهمة أيضاً والتي بدت واضحة في «باب الحيرة» من أثر الصحافة هي فن الحذف، فقد جاء التحرير ليثبت لي أن فن الحذف هو بأهمية فن الكتابة، فالكثير من الكتاب يتورط في الإسهاب والشرح ومحاولة إفهام القارئ الفكرة أكثر من مرة وبصياغات مختلفة، ويبخل في حذف بعض ما كتب، ولو أدرك خبرة التحرير لعرف ما أعني هنا.
القاهرة ـ لنا عبد الرحمن
