في فكرة سابقة (الكلاسيكي ونقيضه) وهي التي فتحت باب فكرة اليوم، تناولت نجيب محفوظ الكلاسيكي (المؤسس) ونجيب محفوظ النقيض (المتجاوز) ومن الطبيعي، أن تكون حالة التأسيس، وما جاء بعدها في تجربة نصف القرن المحفوظية، حالة التجاوز هي التي أعطت هذا الفنان الكبير موقعه الإبداعي وموقعه التاريخي في آن واحد.

ان الفرصة التاريخية التي توفرت لمحفوظ في تاريخ الثقافة العربية المعاصرة، لم تتوفر لشخص غيره، لقد كان يمكن أن تتوفر لرسام كبير، هو فايق حسن، فهو يمتلك موهبة كبيرة وقدرة خارقة على مواصلة العمل كما أنه بدأ عمله في منعطف تاريخي، جعله في مقدمة رواد الرسم في الوطن العربي، غير أنه لم يتوفر على عامل الوعي الذي توفر لمحفوظ، فصار يتنقل من منهج في الرسم إلى منهج آخر، لا أظلمه أن قلت على غير هدى، رغم محبتي له، فهو واحد من بين الملونين المهمين في العالم.

إن مرحلة التأسيس عند محفوظ، بدأت مع محاولاته الأولى في كتابة الرواية التاريخية من 1939 إلى 1944، وهي استلهام لتاريخ مصر القديم أو ما اصطلح على تسميته بالتاريخ الفرعوني، ثم بدأ بالدخول إلى عالم الواقعية التي لا تتخلى عن المؤثر التاريخي، من رواية (القاهرة الجديدة 1945) والتي ستتواصل حتى (الثلاثية) التي يقول أنه أنجزها في أبريل من العام 1952.

وإذا كانت المصادفة هي التي جعلت تاريخ الانتهاء من كتابة الثلاثية، هو تاريخ انطلاقة ثورة يوليو 1952، أي أن وصول كلاسيكية محفوظ الروائية إلى كمالها، اقترن هذا الوصول بانهيار النظام في مصر، حيث جاء صمت نجيب محفوظ الذي سيمتد طويلاً نسبياً، وهو صمت فني، حتى وإن كان أحد عوامله سياسياً، ومن الطبيعي لو أن محفوظ كتب ثلاثية أخرى، بمواصفات ثلاثيته، لما أضاف إلى البناء الروائي العربي شيئاً وكذلك إلى بناء تجربته الذاتية.

وفي العدد الصادر بتاريخ 21 أكتوبر 1957 من مجلة الإذاعة (نقلاً عن كتاب دراسات في الرواية والقصة القصيرة) ليوسف الشاروني، يعبر نجيب محفوظ بذكاء وتواضع شديدين عن بداية مشروعه القادم (التجاوز) فيقول: (أنا الآن في حالة تدبر واستيعاب،

ولا أعرف متى أعود إلى الكتابة، ولكن عندما استأنف الكتابة لن أعود إلى الواقعية مرة أخرى، لقد مللت هذا اللون من الكتابة، وتكفيني أصناف الواقعية التي شحنتها في رواياتي، أنني أشعر بتطور في أعماقي، وسوف ينتهي هذا التطور حتماً بطريقة جديدة في الكتابة استعملها عندما أمسك قلمي الكوبيا وأوراق العرائض مرة أخرى.

والمهم، في مرحلة نجيب محفوظ التأسيسية، أن أسلوبه في الثلاثية وما قبلها، كان قد تجاوزته الرواية الأوروبية، والأهم من ذلك، أن كان يعي ذلك، ففي حوار مع أحمد عباس صالح في أواسط سنة 1962 يقول: (عندما بدأت الكتابة كنت أعلم أنني أكتب بأسلوب، اقرأ نعيه بقلم فرجينيا وولف).

وتبدأ مرحلة التجاوز من (أولاد حارتنا)، والتي لم تتوقف إلا حين توقف هو عن كتابة الرواية دون ان يتحدث عن هذا التجاوز ويحدد مصادره المدرسية. ولذلك حين سأله فؤاد دوارة لمناسبة بلوغه الخمسين من عمره، ان كان يستطيع وضع رواياته داخل أطر المذاهب الأدبية قال: (قد يسهل على الكاتب الأوروبي، تحديد مذهبه الأدبي، اما نحن فعرفنا المذاهب الأدبية، بعد ان استقرت ولم تكن هناك دوافع تدعونا للتشيع لمذهب بعينه، غير موقفنا الحضاري في الداخل).

كانت لي ملاحظة، تشكلت عندي مع مراقبة النص الشعري السيابي في أعوامه الأخيرة، اذ كنت ألاحظ ان التراجع الصحي عنده أدى إلى تراجع في بناء قصيدته، التي طالما اتسمت بالطول والكثافة اللغوية والاستعراض المعرفي والتوتر الايقاعي وتعدد طبقات البناء النصي، ومع تفاقم وضعه الصحي، كان النص السيابي، يخفف من كل تلك السمات، ويمكنني ان اكرر هذه الملاحظة مع روايات محفوظ المتأخرة (أنها مجرد ملاحظة قد تصح أو لا تصح).

ان التجاوز ليس نفياً للتأسيس، انه اضافة لاستكمال الانجاز الروائي، وان محفوظ كان يعبر في تجاوزه عن وعي بمشروعه، مثلما كان يعبر عن وعي في خيارات مرحلة التأسيس وانه كان يدرك الوحدة بين التجاوز والتحديث الذي يراه في (كل ما يطرأ على الاشكال الفنية الإبداعية من جديد في الأسلوب أو الرؤية أو الموضوعات ويعتبر جديداً وحديثاً ومتطوراً بالنسبة لما قبله، بحيث يتلازم في الشكل والمضمون، فكلاهما يسيران جنباً إلى جنب، خطوة بخطوة مع الآخر).

ان تقنيات التركيب وأساليبه في الرواية (الجديدة)، ليست سمة سلبية لأنها تنافست مع الموروث الكلاسيكي للأساتذة أمثال تولستوي وديستوفسكي، كما يرى ذلك الياس فركوح وان المتغيرات التي أصابت الرواية ليست معزولة عن المتغيرات التي أصابت العالم بأجمعه.

غير ان الروائي عبدالرحمن مجيد الربيعي، يرى ان تجاوز نجيب محفوظ، الذي بدأ كلاسيكياً بكل معنى الكلمة، حيث يذكر بكبار الكلاسيكيين في الرواية العالمية، لم يحرره من رؤيته الكلاسيكية للعالم، حتى وان تحررت نصوصه ما بعد الثلاثية،

لتضاهي في تقنيتها، أحدث النصوص التي كتبت في الرواية الجديدة بالعالم، مثل ميرامار، الكرنك، ثرثرة فوق النيل، الشحاذ، الطريق، ثم يقول: حتى في روايته الاشكالية (أولاد حارتنا) وما حصل لها، ووجهات النظر المتقاطعة بشأنها، فهي وفقا لقراءتي، لا تتجاوز ان تكون عمل الرؤية الإيمانية الكلاسيكية.

لكن سيبقى نجيب محفوظ في الرواية العربية، يمثل انتاجا وقيمة، ما مثله في الروايات الغربية (الروسية والفرنسية والانجليزية والاسبانية وغيرها) عدد غير قليل من كبار الروائيين، ولذلك فهو كما يقول الروائي الفلسطيني حسن حميد (ان نجيب محفوظ في أدبه يصلح ان يكون راوية المجتمع العربي).