أصبحت الخصخصة منهجا وأسلوبا اعتادت عليه كثير من الدول المتقدمة والنامية أيضا بهدف التخلص من الأعباء المالية المتزايدة على القطاع العام والعمل على تحقيق الكفاءة الاقتصادية والإنتاجية، مع ملاحظة أن الخصخصة لم تحل كافة المشاكل غير أنها أعطت القطاع الخاص دورا أكبر في عملية التنمية والتي نتناولها في الجانب الرياضي الذي تتجه فيه الأفكار الآن صوب الاحتراف وإطلاق دوري محترفين مع طرح موضوع الخصخصة كعنصر من عناصر الاحتراف الرياضي في العصر الحديث.
لكن يمكن اعتبار الخصخصة حالة منتشرة في العالم الرأسمالي، لا سيما وأنها فلسفة اقتصادية ذات استراتيجية تحول القطاعات التي لا ترتبط بالسياسات العليا في الدولة كالسياسية والإدارية والأمنية من القطاع العام إلى القطاع الخاص. وهكذا نستدل على أن الخصخصة هي نقل ملكية أو إدارة نشاط ما إما (جزئيا) أو (كليا) من القطاع العام إلى الخاص.
من خلال بحثنا عن الآلية التي يمكن أن نستند عليها في خصخصة الأندية حال استقر الرأي عليها، نشير إلى أسلوبين للخصخصة أولهما تلقائي وهو تشجيع المبادرة الفردية، بمعنى تشجيع القطاع الخاص دون المساس بالقطاع العام. أما الأسلوب الثاني من الخصخصة هو الهيكلي والذي يعني تقليص حجم القطاع العام بنقل ملكية المشروع أو إدارتها إلى القطاع الخاص.
نستشف بذلك دافعين للخصخصة، أولهما نتيجة تضخم القطاع العام وصعوبة تحمل المزيد من الأعباء المالية، وثانيهما الوصول إلى قناعة تؤكد أن إدارة الأنشطة الممكن خصخصتها ومنها الرياضية تحتاج إلى مهارات تجارية إلى جانب الإدارية تقودها نحو التطور والازدهار على الصعيد الاقتصادي الذي بنموه سيعود بالنفع على الجانب الرياضي في الأندية ويفعّلها بشكل في غاية الإيجابية لأن المادة وفي العصر الحديث هي عصب الاحتراف الحقيقي.
«البيان الرياضي» قام باستشراف رأي ثلة من ذوي الاختصاص الاقتصادي والرياضي حول موضوع الخصخصة، فكان التالي:
القاسمي : الخصخصة الرياضية عندنا أشبه بالسياحة على القمر
يتساءل الشيخ محمد بن صقر القاسمي رئيس مجلس إدارة نادي رأس الخيمة سابقا والأب الروحي لكرة القدم في الإمارة قائلا: ماذا يفهم الناس عن الخصخصة؟، ثم يجيب: إذا كان المفهوم هو تحويل الأندية إلى مؤسسات مالية ودخولها في سوق البورصة فأنا أعتبرها فلسفة (سفسطائية).
فواقعنا وإمكانياتنا وظروفنا الاقتصادية والاجتماعية ليست مناسبة للخصخصة، ولذا نريد أن نرى الخطط حتى نعطي رأينا في الموضوع بيد أن الأغلبية الساحقة ترى فيها تحول الأندية إلى شركات ومؤسسات تجارية فقط. ويتابع: حتى أن الدول الأوروبية لم تصل إلى الخصخصة بمعناها الحقيقي في هذا المجال إلا قلة من الأندية فيها، ولذا حتى نحول أنديتنا من واقعها الحالي إلى أندية ذات طابع تجاري، فلابد من وجود نظام يضعه مختصون في الاقتصاد والرياضة لا سيما وأن الأندية ستتحول إلى مؤسسات ذات أسهم.
ثم يتساءل مجددا.. ليس لدي وضوح، فهل الأندية تابعة للحكومة أم هي مؤسسات أهلية؟، وهل هي تابعة للحكومة الاتحادية أم المحلية؟!، ثم يقول: إن بسبب الازدواجية وعدم الشفافية أصبحت الأندية أشبه بـ (الابن الضال) ولذا أجزم بأن الرؤية غير واضحة، وهي للأسف ليست على مستوى الإمارات فحسب بل الوطن العربي برمته وأتحدى من يأتيني ويقول لي الأندية في وطننا العربي تتبع لمن، باستثناء القليل منها ذات طابع الشركات كبعض الفرق في الدوري المصري. ولهذا نرى تطرح قضايا كالاحتراف والخصخصة بكثرة فأصبحنا كالرجل الذي يأكل ليشبع فقط وليس بذلك الذي يبحث عن نوعية الطعام.
ويستطرد: في هذا السياق أتحدى (مجددا) فيما لو خرجت الشخصيات ذات الطابع السياسي من أنديتنا أن يستثمر أي رجل أعمال فيها، وللأسف نحن عشنا أضغاث أحلام بسبب كأس الخليج، فالخصخصة تحتاج إلى دراسة وافية وهل سنسمح لرجال أعمال من خارج الإمارات في الاستثمار بأنديتنا؟. وخلص إلى القول: أعتقد أن الرؤية غير واضحة، ولا أريد أن نعيش في وهم، فنحن نريد الواقعية.
النعيمي : سنخرج بنتيجة إذا أعطيت الدراسة لذوي الاختصاص
أشار عبدالله سعيد النعيمي الرئيس السابق لمجلس إدارة نادي عجمان أن الكلام كثر عن الخصخصة، لكن من يتناولها ربما يكون بعيدا عنها، كما تزج العادات والتقاليد في كل شيء ومنها الخصخصة. وأضاف: حينما يرى لاعب شاب في مقتبل العمر بأن مستقبله أفضل مع الاحتراف الكروي عنه في الدراسة فيترك دراسته من أجل الكرة، هذا يرشدنا إلى وجوب وضرورة انتشار الخصخصة في مجتمعنا، وطالما نجح الآخرون فيها علينا أن نتقبلها.
ويتابع: حينما أتخيل الأمر مع أحد الأندية الغنية، فنعم للخصخصة، أما إذا تكلمنا عن ناد كعجمان أو الرمس أو مسافي أو أي من الأندية التي لا تملك الكثير من المقومات المالية.. هنا أتوقف واسأل عن أي خصخصة نتكلم ولذا علينا أن نراجع أنفسنا لا سيما وأن للخصخصة مقومات تنطبق على أندية معينة كما هو حاصل بالنسبة لواقعنا الحالي في الاحتراف. ثم يضيف: الأندية الكبيرة لها مقومات الخصخصة وعليها أن تبتعد عن الاعتماد على الدعم الحكومي مع ملاحظة بعض الفروق والاختلاف بيننا وأوروبا وذلك بوضع أسس ومعايير ثابتة. فعلينا أن نثقف انفسنا بمفهوم الخصخصة، واسأل هل سنقبل بإقامة أماكن ترفيهية منافية لعاداتنا كنوع من أنواع الدخل؟!.
ويستطرد: كما أن مجالس إدارات الأندية ستكون مطالبة باستثمار المال وزيادته لتحقق النجاح خاصة وأننا نعيش في طفرة اقتصادية غير مسبوقة، ولدينا مثال في الاستثمار كنادي النصر بوجود «النصر ليجرلاند» منذ الثمانينات. وخلص النعيمي إلى القول: الخصخصة جديدة علينا كالاحتراف، ولابد من وجود نواقص في بداية تنفيذ الأمر، وعلينا أن نبدأ مع الخصخصة على اعتبارها تجربة. وإذا أردنا أن نساير العالم علينا الاتجاه صوب الخصخصة، وإذا أعطيت الدراسة لذوي الاختصاص سنخرج بنتيجة.
المحمود: تغيير القوانين التجارية والاقتصادية والرياضية
علق محمد إبراهيم المحمود نائب رئيس لجنة دراسة دوري المحترفين على الموضوع بالقول: لا يمكن تطبيق الخصخصة بسرعة على الرغم من وجود البنية التحتية للأندية تمكنها من تطبيقها، ولكن لابد من خطوات تسبقها يجب أن تتم إذا كنا ننشد الخصخصة خلال السنوات الخمس المقبلة ولذا علينا البدء بالتحضير من الآن ولكن مع ملاحظة أنه ليس بالضرورة أن تتحول الأندية إلى شركة خاصة بالأفراد.
وبسؤاله عن الخطوات التي أشار إليها، قال: على إدارات الأندية أن تتعامل مع واقع الخصخصة بأنها تدير أنديتها بحسابات الربح والخسارة، وإذا أردنا أن نتعامل مع هذا الأمر في ظل الواقع الحالي فلا يتطابقان. ثم أتساءل (والكلام للمحمود) ما الذي يجبر رجال الأعمال على الانخراط في مجال الاستثمار في الأندية طالما تنطوي تحت أنظمة وقوانين الهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة، تحت مسمى أندية رياضية اجتماعية ثقافية، وبالتالي لا بد من تحويلها إلى أندية رياضية ربحية.
ثم يستطرد: يجب أن تتغير القوانين التجارية والاقتصادية والرياضية قبل تطبيق الخصخصة على أرض الواقع، والسبب يعود لان العمل في نظام الخصخصة يأتي ضمن منظومة اقتصادية في الدولة.
فريدوني: أنا معها لكن ضمن أطر وقوانين معينة
قال فرحان فريدوني رئيس مجلس إدارة «سما دبي» العقارية إحدى الشركات التابعة لمجموعة دبي القابضة معلقا على الموضوع: ينظر للقطاع الرياضي في العالم كجزء من القطاع الاقتصادي يخدم المجتمع، إلا أن هذا القطاع محتاج لزيادة الموارد المالية ليستمر بعطائه للمجتمع بالصورة المرجوة. ولكن لكي ننمي الموارد المالية في الرياضة علينا أن ننظر إليها كجزء من القطاع الاقتصادي.
ويستطرد برأيه حول موضوع الخصخصة، قائلا: لا يجب أن تنحرف الأندية عن المسار أو الهدف الذي أوجد لهذا القطاع (الرياضي)، ولذا حينما نقدم على الخصخصة علينا أن نعمل ضمن أطر وقوانين معينة حتى لا تتجه الخصخصة باتجاه متطرف بحيث يفقدها الغرض الذي أنشئت من أجله. ويتابع: هذا التوجه والنموذج (الخصخصة) معمول به في كثير من الدول المتقدمة، بيد أنه غير موجود في الإمارات والسبب أن القطاع الرياضي متكل كثيرا على الدعم الحكومي، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه.. إلى متى سيبقى هذا الحال؟!.. وهنا أجدد رأيي في أنه يجب أن نتجه ضمن أطر وقوانين وتشريعات معينة لدعم القطاع الرياضي.
وخلص فريدوني إلى القول: أنا مع الخصخصة ولكن وفق توجه معين حتى لا تخرج الأندية عن الإطار الموضوع لها لدعم القطاع الشبابي والرياضي.
الغيث : مازلنا بعيدين عن العالمية لأن دخل أنديتنا لا يتناسب مع المصاريف
يتحدث غيث الغيث النائب التنفيذي للرئيس للعمليات التجارية بطيران الإمارات قائلا: أهم المعايير في جانب الخصخصة أن يتحقق الربح للأندية لأن غياب الربح عنها يعني لا يمكن الخصخصة والانتقال إلى واقع الاحتراف.
وإذا ما كانت طيران الإمارات تفكر في الاستثمار بالخصخصة في الأندية فيما لو أصبحت واقعا في رياضتنا المحلية، أجاب الغيث: خبرتنا في الجانب الرياضي تتمثل في الرعاية من خلال تحديد الرياضة المناسبة في هذه الدولة أو تلك من أجل التواصل مع زبائننا، ولذا فخبرتنا في النطاق التسويقي الرياضي أكبر من الجانب الإداري فيه. ونحن لسنا مؤهلين لإدارة ناد وكيفية الانتقال به من حال إلى حال آخر. ولكن إذا كان الإطار الرياضي واضح الرؤية في نطاق الخصخصة فإن شركة كطيران الإمارات ستساهم بالرعاية.
ثم يقول: إذا طبقت الخصخصة بطريقة صحيحة وسليمة في قواعدها ستساعد أنديتنا بالارتقاء، ولكن نحن مازلنا بعيدين عن العالمية لأن دخل أنديتنا لا يتناسب مع المصاريف والأمر بهذه الصورة صعب والشيء المشجع أن تتحول أنديتنا إلى أندية محترفة، ومن هنا أخلص إلى القول أنه بانتقال أنديتنا من أندية مدعومة إلى مربحة فمن الممكن أن يؤدي إلى الخصخصة ولكن عندما لا تكون أندية ربحية فلا يمكن خصخصتها.
خماس : يجب الارتقاء بإدارات الأندية واللاعبين من حيث التفكير
أشار محمد ناصر خماس الرئيس التنفيذي لمجموعة الأهلي نائب الرئيس للقيادات العربية الشابة (فرع الإمارات) إلى أن الخصخصة تحتاج عدة عوامل قبل تطبيقها على الأندية الرياضية التي تلقى الدعم الحكومي حتى الآن. فقال: أول هذه العوامل يتعلق بالتدريب النفسي للاعب الذي يجب أن يعلم مع الاحتراف والخصخصة أنه موظف رياضي ولذا عليه أن يتأقلم مع هذه الفكرة.
ثم يضيف: ولكن ليكون كذلك على الأندية أن تكون مربحة لأنها في هذه المرحلة تعتبر حلقة اقتصادية. وهنا لي ملاحظة في هذا الجانب تتمثل في العامل البشري الذي أراه ربما يكون معيقا أمام الخصخصة لاسيما وأن الدور الذي عليه أن يلعبه سيكون كبيرا ولذا وجب تغيير العقلية الإدارية حينما تطبق الخصخصة ولكن لا أعتقد يمكن تغيير هذه العقلية في غضون عام واحد فقط.
ثم يستطرد: على المدى الطويل نحتاج إلى تغيير مفهوم الاحتراف الذي نعيشه الآن كونه محصورا في اللاعب الأجنبي أكثر من اللاعب المواطن ولذا أعتقد أن الخصخصة ستأخذ فترة طويلة لتطبيقها فعلى سبيل المثال على الجمهور أن يعتاد على دفع ثمن التذاكر للدخول إلى المباريات ثم على اللاعبين أن يدركوا أنهم موظفون في الرياضة.
ويشير خمّاس إلى أنه لا يؤيد الخصخصة في الوقت الراهن، معللا رأيه: يجب في البداية الارتقاء بإدارات الأندية مع اللاعبين على حد سواء من حيث التفكير لا سيما في ظل ملاحظة التذبذب الحاصل للفرق في مستواها الفني بين موسم وآخر وهذا سببه بعدنا عن الاحتراف الفعلي، وهذا ما يجعلنا بعيدين عن الخصخصة كما في الأندية العالمية التي تمتلك الشركات حصصا فيها ولن أكون قاسيا إذا قلت وبصفتي رجل أعمال غير مستعد للدخول في الاستثمار من خلال الخصخصة في الوقت الراهن بيد أنه إذا وجدت العوامل الإيجابية في المستقبل فلا مانع لدي لأن الخصخصة فيها استثمار جيد.
الخلاصة..
ليس بالمال وحده يتم خصخصة الرياضة، فالخصخصة مرحلة متقدمة تأتي بعد اكتمال المنشآت والبنية التحتية للأندية لا سيما وأن أنديتنا ليست كرة قدم فقط بل هي مجتمعات متكاملة. ولذا هناك كثير من الأفكار بما هو قابل للتطبيق وآخر غير قابل لذلك، بل وهناك ما هو مؤجل إلى حين. الفكرة وعلى أهميتها وجمالها وانبهار ما بها، إلا أنها تتطلب توصيفا أكثر مما هو سائد، ولعلني هنا أود أن أضرب مثالا كمحمد الفايد رجل الأعمال المعروف الذي نجح بشكل باهر في اقتحام السوق التجاري البريطاني من خلال سلسلة متاجر هارودز الشهيرة
بيد أنه لم يحقق النجاح ذاته مع النادي الإنجليزي فولهام، بيد أن التجربة الأنجح كانت من خلال الشراكة بين طيران الإمارات والأرسنال من خلال رعاية طيران الإمارات للنادي الإنجليزي برعاية طويلة.. هنا نقول أنه ليس بالمال وحدة يتم خصخصة الأندية، ولكن عندما يكون المال جزءا من استراتيجية التخطيط يكون أجدى وأسمى مما يكون فقط حسابا بنكيا.
تحقيق: عمر جمعة
