رافقت الرياضة منذ بدء ممارستها العديد من أعمال العنف بسبب الرغبة في تحقيق الفوز من دون النظر إلى الجانب الآخر، لكن هذه الأعمال ظلت منبوذة من قِبل الأكثرية في جميع أنحاء العالم، وهناك شعوب لم تعرف مثل هذا العنف بسبب طبيعتها.

والعنف في الرياضة درجات، حيث يتسبب في إزهاق أرواح عندما يبلغ الذروة، كما حدث في أوروبا وإفريقيا وبعض الدول الأخرى. وفي مرات ينتهي باعتداء شفاهي وكلام غير مقبول اجتماعياً يصل حد الإهانة. وعلى الرغم من هذه الصورة إلا أن ملاعبنا ظلت بعيدة عن هذا «المرض الرياضي» وظلت آمنة إلى حد بعيد باستثناء بعض الحالات غير المشروعة هنا أو هناك. لكن ما لا يسر الخاطر أن بعض حالات العنف بدأت تظهر في ملاعبنا وصالاتنا، وهي بهذا تقرع جرس الإنذار لكن نبقى في حالة يقظة حتى لا يستفحل الأمر ويصبح «ورماً خبيثاً» في جسمنا الرياضي. - الحادث الأول: يمكن القول إن ما حدث من جماهير فريق الشباب بعد مباراة فريقهم امام الوحدة في الدور الثاني من دوري اتصالات يعتبر خروجاً عن النص والاخلاق الرياضية، وكان بالفعل مشهداً مؤسفاً من الجماهير التي اصطفت أكثر من ساعة خارج الاستاد في انتظار خروج لاعبي الوحدة «الفريق الضيف» للاعتداء عليهم، ولكن لماذا؟!، لا أحد يعلم!

شرارة العنف اندلعت في مدرجات الجوارح بعد ان قام حكم المباراة بطرد ايمان مبعلي، ثم برنس تاجو للانذار الثاني، ومنذ تلك اللحظات وتحديدا في الدقيقة 79 من عمر المباراة والعنف تولد في الملعب، فقامت الجماهير بإلقاء كل ما تطاله أيديهم في الملعب وعلى الحكم، حتى قام الدكتور احمد بن هزيم رئيس مجلس إدارة نادي الشباب بتهدئة الجماهير في المدرجات، ونجح، ولكن الجماهير بيتت النية للاعبي الوحدة والحكم الذي خرج في حراسة أمنية مشددة جداً. وخارج أسوار استاد الشباب كان المشهد الأكثر اثارة والأكثر مأساوية فكانت مئات من جماهير الشباب تنتظر بالخارج وانضمت لها بعض جماهير الوصل التي حضرت لمؤازرة الشباب امام الوحدة منافس فريقهم الوحيد على القمة، وأحاطت الشرطة بالجماهير، وظل لاعبو الوحدة حبيسي غرفه الملابس في انتظار تفرقه الجماهير، فقرر اللاعبون الخروج غير عابئين بما ينتظرهم بالخارج، لتنهال عليهم الجماهير رشقا بزجاجات المياه وكل ما تطاله أيديهم، مما دفع الشرطة إلى ادخال اللاعبين مرة اخرى إلى داخل غرفه خلع الملابس.

الحادث الثاني: يبدو ان العنف ليس له مصدر معلوم ولا يمكن اختصاره في ملاعب كرة القدم فقط، فشهدت ملاعب كرة اليد حادثين من هذا النوع خلال الايام الماضية، الأول كان بطله فريق الشارقة والأهلي، وكان المسرح هو الصالة الحمراء، فما ان أطلق حكم المباراة نهاية اللقاء بفوز الأهلي على ضيفه الشارقة، ألا وتحولت الصالة إلى مسرح للكم وساد الهرج والمرج أرجاء المكان، ودخل لاعبو الفريقين في فاصل من الضرب حتى ان محترف الأهلي لوشمان طالته لكمة في العين، نقل على إثرها إلى المستشفى فورا لخطورة الاصابة. ولم تتوقف حالة الفوضى عند الملعب فقط، بل انتقلت العدوى إلى المدرجات وبين جماهير الناديين،حتى انتهت المهزلة بتدخل بعض اللاعبين الكبار والمسؤولين ومعهم الشرطة ولولا تلك التهدئة من مسؤولي الفريقين لحدث ما لا يحمد عقباه ولتفاقمت المشكلة.

الحادث الثالث: وكانت الواقعة الثالثة من الشغب الذي لا نعلم مصدره او حتى تبريرا له، شهده لقاء شباب الشارقة مع الوصل في نهائي كأس اليد وفاز الشارقة 26/23واحتفل لاعبوه بالكأس، ولم يجد لاعبو الوصل أي طريقه للإعلان عن غضبهم في ضياع اللقب سوى الدخول في عراك مباشر مع الفريق الفائز، وكانت بالطبع الشراراة الأولى من المدرجات وبعض الهتافات المعادية لكلا الفريقين، وعندما انتهت المباراة بدأت مباراة اخرى في اللكم والضرب وقذف كل ما تناله الايدي، ومحاولات مضنية من الشرطة للدخول لفك الاشتباكات دون جدوى. - الحادث الرابع: ولم تغب ملاعب كرة السلة عن الظاهرة الغريبة، بل كانت حاضرة وبقوة، فلم يجد فريق براعم الشباب في إعلان غضبه وأسفه على ضياع لقب بطولة البراعم امام الأهلي سوى الدخول في عنف متعمد والدخول في فاصل ضرب مباشر مع لاعبي الأهلي وسط ذهول الجميع، وللحق فإن الجماهير تلك المرة كانت بريئة من هذا العنف وهذا الانفلات عن الاعصاب، فلم يكن هناك أي حضور جماهيري في بطولة البراعم، بل كان اللاعبون هم أول من دخلوا في عراك.

الحادث الخامس

واستمرار للعنف في ملاعب الصغار، شهد دوري الشباب في المباراة التي جمعت العين والنصر في دوري 13 سنه، اعتراضات كثيرة من لاعبي النصر على قرارات الحكم الذي قام بطرد اربعه لاعبين من النصر، وفاز العين 5/صفر، ولم يجد لاعبو النصر سوى العنف في إعلان رفضهم للهزيمة وقرارات الحكم، وبعد ان انتهت المباراة بدأت القصة داخل غرفه الملابس وحطم لاعبو النصر محتويات الغرفه بنادي العين، ليدخلوا بعد ذلك في عراك بالايدي مع لاعبي العين أسفر عنه إصابة فرج جمعه لاعب العين في أنفه.

وبالرغم من ان هناك بعض الإداريين في بعض الأندية من محترفي اثارة الشغب وإطلاق شرارة العنف في ملاعبنا، ألا ان مسؤولي أغلب الأندية الرياضية وقطاعات الرياضة المختلفة أعلنوا رفضهم لهذا السلوك المشين الذي بدأ يستشري في ملاعبنا، وتساءل البعض منهم عمن يتحمل مسؤولية هذه الظاهرة، والتي تحدث في ملاعبنا ولن تكون الأخيرة وستكون عبارة عن حلقات متصلة.

وعلق البعض على ان من شأن تلك الظاهرة ان تعيق مسيرة الرياضة بشكل عام، والمكسب والخسارة هما حلقتا الرياضة المتصلتان دائما ولا يجوز ان نخرج عنهما وعلى من يمارس الرياضة ان يتقبل الخسارة قبل ان ينتظر الفوز.

د. محمد سبيتة يحذِّر من تحوُّل «الحالة» إلى سلوك

تحدث الدكتور محمد سبيتة أخصائي الطب النفسي لتحليل هذا السلوك الغريب على مجتمعنا فقال: بداية لابد وان نعترف بأن العنف او ظاهرة العنف موجودة في الاساس داخل الانسان العادي، ولكن هناك ما يدفعه إلى اخراجها في صورتها المعروفه، والعنف هو تصرف طبيعي لحالة احباط يعيشها الانسان سواء لاعبا او مشجعا، سواء كانت تلك الاحباطات في عدم رضاه عن مستوى أو نتيجة أو أي شيء آخر.

إذا فسرنا أسباب عنف اللاعبين وتعمدهم ايذاء بعضهم البعض، نجد ان الخلل يكون من البداية ومن النشء الصغير، فعملية انتقاء المدربين في المراحل السنية والبراعم لا يتم على اساس تربوي سليم ويكون الخطأ دائماً في الاختيارات، وعدم الالتفات إلى ضرورة التنشئة التربوية السليمة للاعب يكلف الكثير ونتيجته اهمال اللاعب أهم قواعد ممارسة الرياضة وهي الروح والأخلاق الرياضية السامية.

والجانب الآخر في اسباب اتجاه اللاعبين للعنف يتمثل في النزعات الفردية لدى اللاعب نفسه، سواء في سعيه لاثبات وجوده بشكل أو بآخر بعد ان شعر بإخفاقه في الملعب، وهناك من يتصور ان ما خسره في اللعب ممكن ان يعوضه بالضرب، وهذا لا يعترف به في اللعب الحديث وهذا يعود بنا إلى نقطة المربي الرياضي قبل المدرب.

كما ان عدم ثقة اللاعب في حكم المباراة قد يدفعه إلى العنف فيقوم بأخذ «ثأره» بيده بان يعتدي على لاعب تعرض له بعنف مقصود او غير مقصود، ومن الضروري ان يتعرف الناشئ على ان هناك من يراقبه ويحكم تصرفاته وهو الحكم وألا يترك انفعالاته لرغباته فقط. كما ان ادارات الأندية لها دور في ذلك.

وأخيرا تتدخل الضغوط الخارجية في خروج العنف من اللاعبين، خاصة مع نهاية الموسم وما يتخللها من تفكير في العقود وانتهائها وتجديدها من عدمه، ومع أي عنصر خارجي تخرج تلك الضغوط في ظاهرة عنف، ويكون اللاعب في حالة انعدام وزن في تلك المرحلة.

الجماهير

اما الجماهير واتجاهها للعنف في المدرجات ومع اللاعبين فإن سبب ذلك يعود إلى صراع الواقع والتوقع، بمعنى ان الجماهير تعيش على آمال الفوز دائما وترى في فريقها انه الفريق الأول والمرشح الأول للفوز وبأى بطولة، وازداد هذا الشعور بعد الفوز ببطولة خليجي18 ورأى كل مشجع ان فريقه بطل هو الآخر، مع ان البطل منتخبنا فقط، ومع أي نتيجة غير الفوز التي يدخل بها المشجع وهي في ذهنه يصاب بألم الواقع وآلام الخسارة فلا يجد سوى التنفيس عن غضبه العارم بالعنف مع أي شيء يقابله سواء تكسير مدرجات او بالضرب مع انصار الفريق ا؟خر او حتى لاعبي المنافس.

ويقول الدكتور محمد سبيته، دعونا نتفق على ان العنف ظاهرة موجودة في الأساس داخل تركيبة الانسان وخروجها يتوقف على العوامل المؤثرة في استثارتها فقط، كما ان التربية السليمة للنشء تؤثر بشكل كبير في هذا الامر، ومدربو الفرق لهم دور كبير في توعيه لاعبيها الصغار او الكبار، والضغوط لها عامل كبير.

تحذير

ويحذر الدكتور محمد سبيته من استمرار تلك الحالة في ملاعبنا فهو معناه تحول الظاهرة إلى سلوك، يجب علينا ان نعتاده ونتعود عليه في ملاعبنا وان نتعايش معه، وهو ما يشير بهجر المشجعين الذين يرفضون هذا السلوك للملاعب وليسكن الهدوء المدرجات التي لن تجد من يملؤها، والحل ان ننبذ الظاهرة وان يتمسك كل شخص بانفعالاته الداخلية حتى لا تضر بالآخرين.

د. منى البحر: نتيجة طبيعية للعولمة

وبعد ان أبحرنا في علم النفس وتحليله لهذه الظاهرة، كان لابد من الاتجاه إلى علم الاجتماع والتعرف بشكل واف عن اسباب تلك الحالة التي عرفت الطريق نحو ملاعبنا في اغلب الرياضات، وتحدثت الدكتورة منى البحر الاستاذ المساعد بجامعة الإمارات قائلة:

أولاً -الظاهرة ليست غريبة وليست محلية الصنع بل ان العنف ظاهرة عالمية، وأكثر الدول تضرراً منها هي بريطانيا والدراسات التي تم اجراؤها في بريطانيا كلها تؤكد ان هناك سلوكيات للمشجعين يطلق عليها «الهوليجان» وربما نحن في العالم العربي نعتبر ذلك غريبا علينا لأنه جديد على شعبنا الهادئ بطبعه ولا يميل للعنف. والتعليل الوحيد لذلك انه نتيجة طبيعية لظاهرة العولمة، فليس العولمة مجرد تعاملات، ولكن اكتساب خبرات وسلوكيات الشعوب الأخرى، وهذا شكل من اشكال الترحيل السلوكي، والدليل على ذلك لو قارنا بين تشجيع الماضي والان.

واشارت الدكتورة منى ان الشخص العنيف بطبعه ليس بحاجه إلى من يدفعه إلى ابراز هذا العنف بل انه يعبر عن سلوكياته بشكل أو بآخر، ومن الممكن ان يؤثر فيما حوله اذا كانت الغالبية العظمى للجماهير تميل للعنف وهذا سيعطيه دافعا اكبر لعنف أكثر. وأكدت منى البحر انه ليس بالضروري ان يكون هناك تأثير متبادل بين الشخص العنيف والجماعة، فإذا لم يجد هذا الشخص تجاوبا فسوف يقف عنفه تلقائيا اما اذا وجد من يشاركه العنف فسوف يظهر ذلك وبقوة.

أما الشخص الهادئ أو العنيف فمن الممكن ان يتأثر بعنف الجماعة حوله اذا كان ضعيف الشخصية، اما إذا كان قويا ويؤثر فيه أسلوب تربيته السليمة وثقافته واحترامه لنفسه فلن يتأثر، وهنا ليس الأحكام مطلقة ولكن كل شخص على حسب امكاناته الشخصية.

محمد نبيل