من أهم المبادئ التي ينادي بها فلاسفة الحياة مبدأ (إظهار الامتنان) الذي يحدد نظرة الإنسان إلى العالم وما فيه من كائنات ومخلوقات وأشياء..والمدى الذي يمكن ان يصل إليه الفرد في تحويل زاوية النظر لديه من السلبية المطلقة إلى الايجابية الجميلة يعتمد في الأساس على قدرته وفنه وقناعته التامة في إظهار الامتنان لجميع ما يراه حوله..وهو مبدأ قوي جدا ومؤثر ولو استطعنا تطبيقه على جميع تفاصيل سلوكياتنا اليومية لقدرنا أن نتجاوز الكثير من العوائق والحواجز الوهمية التي تمنعنا من التمتع بالحياة.
عادة لا يلتفت الإنسان إلى جميع الأشياء من حوله، وبالتالي يفوت على نفسه فرصة رؤية الجماليات البسيطة..وبدلا من أن يصل إلى مرحلة التأمل والتعمق في النظر إلى الأشياء يذهب به العقل بعيدا للتفكير في الماضي وربما في المستقبل تاركا لحظته الراهنة التي هي الزمن كله. لكنه لو يقرر أن يظهر الامتنان إلى جميع ما يراه فان نظرته سوف تتغير إلى الأعمق باستمرار، وتصبح أدق التفاصيل واضحة وجلية له كلما ازدادت لحظات الامتنان لديه.
من بين القصص الجميلة حكاية رجل كانت تشده الهموم اليومية للتفكير في حلول مناسبة للخلاص من حالات التأزم النفسي والاستغراق الكامل في التفكير في أمور ستحدث غدا أو أمور حدثت في الماضي، لكنه تعرف بالصدفة على مبدأ (إظهار الامتنان) فقرر أن يطبقه على الفور ليبدأ صباحه بالتأمل في لحظته الراهنة وإظهار الامتنان للأشياء من حوله..كان سقف الغرفة أول ما رآه وهو في السرير فبدأ يتأمل في الزوايا المتناسقة والنقوش وراحت عينه تطوف تدريجيا على باقي الأشياء من النافذة إلى الباب إلى المرآة والشراشف والمزهرية إلى أن شعر انه يرى هذه الأشياء للمرة الأولى، وسرعان ما بدا يظهر الامتنان لها لأنها حوله ولأنه يتمتع بها الآن في هذه اللحظة الفريدة من عمره.
بعدها أدرك أن هناك الكثير من الأشياء التي يتحتم عليه النظر إليها كي يكتشف أنها موجودة..منها سلالم البيت والشارع والأشجار والقمر وغيرها من موجودات الحياة الجميلة التي لم يعرف يوما كيف يستمتع بها.. إلى أن بدأ يطبق مبدأ (الامتنان) على نفسه فراح يتأمل صحته وجسده السليم ووضعه المادي وعائلته وعمله والأصدقاء وشعر بالأسف العميق لأنه سمح لعقله أن يسجنه في التفكير في موضوع واحد ملح وضروري بينما المواضيع والأشياء الجميلة هي أكثر بكثير فقط نحتاج أن نشكر وجودها بيننا كي ندرك معناها.
في غمره تحول هذا الرجل من الحالة السلبية إلى الحالة الايجابية انه قضى ثلاثة أيام يتأمل في نباتات حديقته الصغيرة في البيت ويشكر لها جمالها..حيث لم يستطع أن يغادرها لحظة من شدة ذهوله واستغراقه في التفاصيل الجميلة من غصن إلى غصن ومن ورقة إلى برعم إلى زهرة إلى طير وفراشة إلى أن أصبح شاعرا يتغنى بالطبيعة وبالحياة ومن قصائده الشهيرة نص طويل بعنوان (الامتنان) يقول في مطلعه:
يشدني الماضي لأغرق في ظلام الذكريات
ويجذبني المستقبل من ثيابي الممزقة لأخرج من الزمن
لكنني اختار اللحظة الآن
فيها يولد المكان بلا حدود أو نهايات
فيها أرسم مشهد الحياة مكتملا بلا موت أو عدم
الآن
الطيور البيضاء لحن للرحيل الأبدي
الغيمة البيضاء مخدة وأنا احلم بالطيور
أغرد مثلها على ورق القصيدة
واترك المعنى يرفرف في فضاء لا يحد
شكرا لأشياء الحياة
بها ومنها تتركب مفردات لغتي
حين انطق بالحب.