في رواية «شيكاجو» للروائي المصري علاء الأسواني نعايش شريحة خاصة جداً من المصريين، حينما ينتقلون ويعيشون في قلب مدينة شيكاغو الأميركية. نعايشهم ونلمس كيف تنتقل معهم أفراحهم وأحزانهم، حتى وهم ينجحون في الخارج تظل عيونهم معلقة بالوطن، ومشدودة نحوه.

لا يعني ذلك أن الحب فقط هو لصيق هذا الاشتياق والتعلق بالوطن، لكن الكراهية أيضاً تعانق الكثيرين منهم، ضجراً من هذا الوطن الذي لفظهم، ودفعهم لهذا الخروج المهين. في الرواية، التي يواصل من خلالها الأسواني، ما بدأه في روايته «عمارة يعقوبيان» من نقد للأوضاع السياسية والاجتماعية في مصر، تنتقل مجموعة من المبعوثين المصريين لدراسة الطب في جامعة إلينوى، حيث يوجد قسم من أكبر أقسام علم الهستولوجي في العالم.

«والهستولوجي» كلمة لاتينية معناها علم الأنسجة: العلم الذي يستعمل الميكروسكوب في دراسة الأنسجة الحية، وهو يشكل أساس الطب لأن اكتشاف العلاج لأي مرض يبدأ دائماً بدراسة الأنسجة في حالتها الطبيعية (الرواية ص 23).

تدور أحداث الرواية حول هذه المجموعة من شباب الباحثين، ورحلة غُربتهم التعليمية في سبيل الحصول على درجة الدكتوراة، حيث ينقلون معهم هموم الوطن وهمومهم الشخصية على السواء. تبدو معاركهم ومشكلاتهم واضطراباتهم لا تختلف عن تلك التي تركوها وراء ظهورهم، وبشكلٍ أكثر دقة حملوها معهم، ولم يفارقوها.

تبدو أحداث الرواية متقاطعة ومتشابكة زمانيا ومكانيا. فالزمن يبدو زمن هؤلاء المبعوثين، الشباب الجدد الراغبين في الحصول على درجة الدكتوراه من واحدة من أرقى الجامعات الأميركية. هو زمن ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، زمن المواجهة بين أميركا من ناحية، وبين العرب والمسلمين من ناحية أخرى، زمن الاستعلاء الأميركي الإمبريالي.

لكن الزمن لا يقف فقط عند ما بعد أحداث سبتمبر، لكنه يتحرك ذهاباً وإياباً بين الماضي والحاضر، الماضي والحاضر الأميركي، والماضي والحاضر العربي. واستخدام كلمتي ماضي وحاضر هنا، يتم وفقاً للتقسيمات الفيزياقية للزمن، لكن واقع الزمن في الرواية رغم وضوح تلك الارتدادات بين الماضي والحاضر، يبدو مساحة واحدة عريضة ومتسعة، عرض واتساع شخوص الرواية.

فالزمن الحاضر لجيل المبعوثين الشباب، يقابله زمن آخر ماض وحاضر يتعلق بجيل الأساتذة، أكثر اتساعا من زمنية جيل الشباب بالمعنى الفيزيقي المتعين فقط للزمن، أما الخبرات والممارسات والتعارضات الإنسانية فإنها مفتوحة على كل الأزمنة بغض النظر عن المواضاعات الفيزيقية المتعينة.

ولعل ذلك ما جعل قيمة الزمن في الرواية تتكشف من خلال عمق الشخصيات وحجم اشتباكاها وصراعاتها مع العالم المحيط، وليس بالعمر الزمني المادي المتعين. كما أن المكان لا يقف فقط عند ولاية شيكاغو رغم أنها المركز الرئيسي للسرد، لكنه أيضاً ذلك المكان المتعدد المترامي الأطراف فهو يصل لشيكاغو الماضي، زمن الهنود الحمر في القرن السابع عشر،

لينتقل لشيكاغو الحاضر زمن ناطحات السحاب العملاقة، وزمن التفرقة العنصرية الأميركية البغيضة ضد السود، كما يصل لمدينة طنطا المصرية البسيطة، مصحوباً بالكثير من تفاصيل الأماكن المصرية. هناك عشقٌ خاص بالمكان، سواء أكان مكاناً كبيراً متسعاً مثل ولاية شيكاغو، أو كان مكاناً صغيراً محدوداً مثل كلية الطب بجامعة إلينوي.

واللافت للنظر هنا أن المشترك بين كافة الأزمنة وكافة الأمكنة هو الإنسان الذي يواجه الظلم الاجتماعي والاضطهاد السياسي، سواء أكان في زمن أبعد، أو في الزمن الحاضر، سواء أكان في شيكاغو الهنود الحمر، أو في شيكاغو ناطحات السحاب، أو في طيات سجون التعذيب المصرية.

خلف كل هذا الامتداد الزمني، وهذا التنوع المكاني، تمنحنا الرواية في مناطق كثيرة منها، خصوصاً تلك التي يبتعد فيها الأسواني عن كتابته السياسية المباشرة والفجة في الوقت نفسه، يكمن رفض ونبذ الاضطهاد السياسي في كافة صوره وأشكاله، بوصفه الرابط الهام الذي يمثل مركزاً حيويا للرواية. فالرواية تُفتتح بمقدمة تاريخية بسيطة وموجزة عن نشأة مدينة شيكاغو، وتتواصل في السرد التاريخي لتكشف لنا عن مدينة عظيمة خلابة باهرة،

لا لشيء إلا لكي تصل بنا إلى فضح التاريخ الأميركي القائم على التفرقة العنصرية ضد السود، وضد الهنود الحمر على السواء. كما أنها تقدم لنا شريحة من المبعوثين المصريين الجدد، لكي تقدم لنا من خلالهم أنماطاً أخرى من المهاجرين المصريين الذين هاجروا في ستينيات القرن الماضي، إما هرباً من ظلم سياسي أو اضطهاد ديني أو ظلم اجتماعي.

تقدم لنا الرواية جيلين من المصريين، أحدهما هو جيل الشباب الذين يبدأون حياتهم العملية، ويختبرون توجهاتهم الأيديولوجية والفكرية، أما الآخر فهو جيل الأساتذة الكبار، الذين هاجروا في الستينيات، وانخرطوا في الحياة الأميركية، وحصلوا على شهادة الدكتوراه، ومارسوا العمل الجامعي لمدة طويلة.

ولا تقف المسألة في الرواية عند حدود جيل المهاجرين المصريين فقط، لكنها تتعدى ذلك إلى مجموعة أخرى من الأساتذة الأميركيين المتنوعي المشارب والتوجهات، إلى الدرجة التي يمكن معها القول ان بعضهم، ومن خلال رفضه للممارسات الأميريكية الرأسمالية المبتذلة، هو مهاجر أيضاً داخل وطنه.

فالرواية، في واقع الأمر، تشتمل على روايتين، أولاهما ما كتبه الروائي علاء الأسواني عبر تلك الشخصيات المختلفة سواء العربية أو الأميركية، والأخرى هي السيرة الذاتية التي كتبها المبعوث الثوري ناجي عبد الصمد، والتي تشتبك بدرجة أو بأخرى مع شخصيات الكاتب الأصلي للرواية، علاء الأسواني.

وتضعنا الرواية في حيرة تشكيلية مقصودة، بين الجانب الروائي الحقيقي، الذي يهيمن عليه الراوي الرئيسي، بدرجات متفاوتة عبر صفحات وفصول الرواية، وبين الجانب السيري، الذي يتركه كلية لأحد المبعوثين الثوريين إلى أميركا، وهو ناجي عبدالصمد. هل هذه السيرة الذاتية حقيقية أم لا؟

هل يوجد فعلاً ناجي عبدالصمد أم لا؟ وإذا كانت الاستعانة بالسيرة الذاتية لناجي عبدالصمد تمثل حيلة تشكيلية مقصودة من الراوي المهيمن في الرواية، فلماذا أفرد له تلك الإشارة اللافتة للنظر في أولى صفحات الرواية؟ لم تجب الرواية عن أي من هذه التساؤلات،

وتركت الباب مفتوحاً لمختلف التأويلات، بحيث يمكن القول بأن ناجي عبدالصمد شخصية حقيقية، كما يمكن القول، في الوقت نفسه بأنه شخصية مُتخيلة مثلها مثل باقي شخصيات الرواية الأخرى. إضافة إلى إمكانية القول إن شخصية ناجي عبدالصمد هي تنوع آخر لشخص الراوي المهيمن على الرواية، وإلا فلماذا بدا الاشتباك واضحاً بينه وبين ما يقوله الراوي الرئيسي المهيمن على صفحات الرواية.

وسواء أكانت شخصية ناجي عبدالصمد حقيقية أو متخيلة، فإنها لم تكن عبئاً على متن الرواية بقدر ما تضافرت مع البنية الرئيسية لها، وأضافت الكثير من خلال شهادة ناجي عبدالصمد، أحد شخصيات الرواية الأكثر تميزاً والأكثر ثورية مقارنةً بباقي الشخصيات الأخرى الأكثر روتينية وتقليدية، والأكثر انسجاما مع الواقع السياسي والاجتماعي المعاش.

واللافت للنظر هنا أن الرواية تتشكل دائماً وأبداً من خلال ذلك التلاقي بين الرجل والمرأة، فلكل شخصية المعادل النسوي الخاص بها. وعلى أكتاف هذه العلاقات النسائية تتخيل شخوص الرواية إمكانية التخلص من الكثير من المشكلات السياسية والقضايا المجتمعية، رغم ما تُخلفه هذه العلاقات في النهاية من نتائج كارثية.

فالرواية، رغم مساحة الشخصيات النسائية بها، ورغم حجم التشابكات العلائقية فيها بين الرجال والنساء، تكشف عن حجم خواء هذه العلاقات، وبأنها في النهاية لا تؤدي إلا إلى الانفصال والكوارث، ليس بسبب من أطرافها، ولكن بسبب من طبيعة السياق المجتمعي الحاكم لها، والحافل بالأعراف البورجوازية في أشد تجلياتها ركوداً واستلاباً واغتراباً.

ورغم تنوع الشخصيات في الرواية، فإنها، وعلى خلاف (عمارة يعقوبيان) لم تحقق ذلك التوازن المطلوب من خلال عرض الجوانب المختلفة الخاصة بالشخصيات من ناحية، وعرض العديد من الشخصيات الإيجابية والسلبية من ناحية أخرى.

فقد ركبت الرواية، بشكلٍ مبالغ فيه، موجة التعرض بالمسلمين وبسلوكياتهم، حيث بدا المسلم متناقضاً في سلوكياته وحياته، حتى وهو يحصل على الدكتوراه من أرقى الجامعات الأمريكية. لقد بدا العربي المسلم المهاجر جباناً ومضطرباً وخائفاً، وكأن الرواية تُكمل من طرف خفي صفاقة الغرب المهاجم للعرب وللمسلمين وتتوحد معها.

القاهرة ـ د. صالح سليم عبدالعظيم: