هل جرب أحد العيش في المستقبل؟! وهل في العملية منطق؟! إلى العيش في المستقبل يدعونا أحد الفنانين المشاركين في بينالي الشارقة الدولي للفنون، وذلك ما أطلقه على عمله الفني. لا شك في غرابة الدعوة، إلا أن الأغرب هو تلبيتها، حين تتبع قدماك العلامات الأرضية الدالة إلى موقع العمل الفني ( العيش في المستقبل) حيث يستقبل الرائي مجسم بحجم حجرة عادية بأرضية وجدارين ومن دون سقف، سوف لن يمر الزائر مرور الكرام من أمام هذا الشكل الذي اكتسحه اللون الأخضر الفسفوري الصارخ،

مما يشكل حالة استفزازية لدى المتلقي، ويشحنه بكثير من مشاعر العصبية والغضب، ولا يلبث أن تنتابه حالة من (الدوخان) فيكاد يسقط أرضا؛ لكن لا بد أن يبتعد ليتماسك، بعد ذلك يأتي السؤال ورد الفعل لما يكمُن في هذا العمل من بوح أو دلالة لمضمون الرسالة.

أما الحدث الذي ألهم صاحب هذا العمل الفني الضخم، الرابض في براحة أحد أحياء الشارقة القديمة، هو منظر وحدات التكييف التي تجعل من رمال الصحراء واحات خضراء صغيرة، لينفذ عمله ويطلق عليه العيش في المستقبل، لان الصحراء تكونت بسبب ندرة المياه، وقسوة الطقس الشديد والحرارة والجفاف، لكن قطرات المياه المتساقطة من وحدات التكييف استطاعت أن تهزم الجفاف، وتؤثر إيجابا بل ومن دون قصد حين ابتسمت الصحراء القاحلة فاخضرت ونما العشب فوق رمالها الشاحبة.

هي محاولة للمساهمة في تشجير الصحراء، وزيادة تخضير الطبيعة، حتى يجد المرء سقفا يستظل به ولو غصن شجرة، وإن استعصى الأمر فلا أقل من عدم المساس بالمساحات الخضراء الموجودة في الطبيعة، وضرورة التوقف عن العبث بمواردها وخصائصها مما يؤدي إلى تصحرها.

في هذا العمل لا نجد اسم منفذه، ولا اسم البلد الذي ينتمي إليه، في إشارة إلى تعميم المسؤولية في ما آلت إليه الطبيعة من سوء وما قد يستمر بها من سوء مستقبلا، والمسؤولية المشتركة في المحافظة عليها وإعادة بنائها. إن محاولة التشجير والزراعة هي عملية بسيطة وفطرية كما صورها هذا الفنان، وها قد نتجت من مجرد قطرات مياه التكييف المهملة، المنسابة بلا مبالاة أو انتباه من الإنسان وهو يعيش حولها وينتفع بمصدرها. إنها دعوة لاستثمار كل قطرة ماء مهما كان مصدرها، حيث لا ينبغي الاستهانة بها، فكل قطرة يمكن الاستفادة منها من أجل مواصلة العيش للحياة في المستقبل

فاطمة محمد الهديدي