وصلت رواية (براري الحمى) للشاعر والروائي الفلسطيني إبراهيم نصرالله الصادرة بالدنماركية قبل أشهر عن دار أندرسكوفن إلى القائمة النهائية لأفضل خمس روايات اختارها الدنماركيون من بين مئات الأعمال المترجمة إلى لغتهم خلال العام الماضي للفوز بجائزة (أولوا) التي تمنح سنويا لواحدة من الروايات العالمية المترجمة إلى الدنماركية من آداب إفريقيا وآسيا واستراليا وأميركا اللاتينية، وتعد واحدة من أرفع الجوائز الممنوحة للأدب المترجم. كما تجري الآن مشاورات بين نصرالله وناشر (براري الحمى) بغية ترجمة رواية ثانية له.
وكانت(براري الحمّى) قد صدرت بالدنماركية خلال شهر أغسطس الماضي، وهي واحدة من روايات عربية قليلة تم اختيارها للترجمة في مشروع يهدف إلى تقديم الأدب العربي والتعريف بأهم منجزاته. وقد قامت بترجمتها ماريان مادلونغ. وتم إطلاق الرواية ضمن حملة كبيرة. كما وجهت الدعوة في نهاية الشهر الماضي لنصرالله لإلقاء محاضرات حول هذه الرواية بشكل خاص وتجربته الأدبية بشكل عام لطلبة الأكاديمية الدنماركية لفنون الكتابة الإبداعية.
وكانت براري الحمى قد صدرت بالإنجليزية عن دار إنترلينك في نيويورك ضمن مشروع بروتا الذي أسسته الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي، كما ترجمت إلى الإيطالية وصدرت عن دار إيليسو. وقد ظهرت الطبعة الأولى لبراري الحمى عام 1985 عن دار الشروق ومؤسسة الأبحاث العربية وأعيد إصدارها فيما بعد عن دار الشروق ثم المؤسسة العربية للدراسات والنشر في ثلاث طبعات، وقد أثارت جدلا واسعا في الأوساط الثقافية العربية كواحدة من أبرز روايات ما بعد الحداثة، وظلت واحدة من الروايات التي تثير الكثير من الاهتمام وقد تمت دراستها في عديد من الرسائل الجامعية العربية والأوروبية والدراسات النقدية.
يقول الشاعر والروائي الإنجليزي جيرمي ريد: براري الحميّ هي الجوابُ العربي عن النفس المنشطرة، إن الغاية التي يرمي إليها نصر الله يُتَحَتمُ عليها ألاّ تجد حلاً حاسما، ولكن ما نحصل عليه من خلال البحث يحمل الحدة الهلاسية لقصيدة نثرية، أو قصيدة غنائية متأججة لا تعدم السخرية الخاصة بمسرح العبث، التي تميز اللقاء بين اللاعقلاني ومواقف تستثير مضادّها المطابق من خلال عين الراوي الداخلية الشديدة الهلوسة.
ذلك أن ذهنه قادر على إنشاء أهرامات تناطح السماء، أو تفجير نبع جارف من سطح صخري. وقد كانت رحلته خلال النيران، ويستطيع المرء أن يقول إن كلماته تحرق الورق، إنها تصل دائماً إلى ما هو أهم في الفن: وهو العملية التحويليّة التي يفقد فيها العالمان الداخلي والخارجي تمايزهما، ويندمجان أحدهما في الآخر عن طريق دينامية المجاز. ورواية «براري الحُمّى» تدور حول الحدود القصوى، وينبغي أن تُقرأ من أجل رؤياها التي لا يعلق بها الخوف، ومن أجل اهتمامها بالعقل بمعزل عن سواه، ومن أجل اعتقادها المطلق بأن الشعر قادر على أن يغيّر العالم.
ومن الصواب أن تجري أحداث هذه الرواية في الصحراء، فقد قدم لنا نصر الله شمساً سوداء تطلع على رمال بيضاء - إنها مجرة جديدة في الفضاء الداخلي.
**تجربة جمالية
في حين ترى الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي أن براري الحمى من أدق التجارب الجمالية تشرُّباً لروح الحداثة، فقد استبطن المؤلف الحداثة استبطاناً كاملاً وكأنه ولِدَ فيها. لقد أنتج الفن القصصي الفلسطيني معالجات فريدة لا مثيل لها في الأدب العربي، ومثال ذلك رواية (المتشائل) ورواية (براري الحمى).
أما الناقد الإيطالي فليبو لا بورتا فيقول: قراءة هذه الرواية تعني وقوعك في أسر الغموض العذب، والفراغ الغامض الذي يتواجد في أعماق كل مخلوق إنساني، متجاوزا البشر عابرا أعماق الكائنات الحية والجمادات في تلك الصحراء.
كما نلمس في روايته معرفة عميقة بأصول وتجليات الثقافة العربية والثقافة الغربية والتقاليد الأسلوبية في الأدب والشعر والسينما. إنها واحدة من الروايات الكفيلة بإثارة دهشة القارئ بعيدا عن ذلك الأدب الاستهلاكي الذي يروّج محمولا على نظرة ذات طابع استعماري؛ حيث نرى نصرالله في هذه الرواية الرائعة يستخدم تقنية سردية بارعة موازية لذلك التمزق في الوعي والازدواجية التي تعيشها الشخصية الرئيسة الواقعة بين فكي الخلل المطلق وسؤال المصير ومغزى الحياة، أما الشيء الأكيد فهو أننا لن نعرف بعد قراءتنا لهذه الرواية هل عدنا أم بقينا هناك في الصحراء.
وترى الدكتورة فدوى مالطي دوغلاس رئيسة قسم الدراسات الشرقية ـ جامعة إنديانا أنها رواية مختلفة وبظهورها انضم إبراهيم نصرالله إلى كتّاب ما بعد الحداثة في العالم العربي، والجديد في سردها هو أن هذا السرد الذي ابتدأ بضمير المتكلم يتوقف ليدور بضمير المخاطب، أي ليصبح (أنتَ) وهذا (الأنت) هو الذي يجب أن يألفه القارئ لأنه يصبح أيضاً (هو) وهو أسلوب قلَّما استعمل في الآداب العالمية، وقد وضع (ميشال بوتور) رواية كاملة هي (التعديل) بضمير المخاطب، غير أن سرد بوتور ينتظم من أوله إلى آخره، أما براري الحمى، فإنها تتشكل من ثلاثة ضمائر، إنها رؤية أدبية فريدة.
وتتقوى هذه التجربة للرواة بتجزئة أخرى في أشكال النص نفسه، ففي (براري الحُمّى) كثير من الشعر، وقد يكون ذلك متوقَّعاً من كاتب تمرس في هذا النوع الأدبي. أما الخروج على المألوف فهو إدخاله في بعض المواقف بعض السمات الخارجية للمسرحية مثل (مشهد) و(ستار)، بحيث تؤدي إلى رؤية أدبية فريدة، فعالمه عجيب غريب، حلمي الصبغة، كابوسي الأجواء في بعض الأحيان، لم يفرزه تعدد الأصوات وفقدان الهوية وحدهما، وإنما شاركت في خلقه سلسلة من الفنون الأدبية الأخرى.
يذكر أن نصرالله أصدر عددا من الأعمال الرواية من بينها: مجرد 2 فقط، عو، حارس المدينة الضائعة، شرفة الهذيان، ومشروعه الروائي (الملهاة الفلسطينية) الذي ضم حتى الآن خمس روايات لكل منها أجواؤها الخاصة بها وبناؤها الفني واستقلالها عن الروايات الأخرى، كما صدر له كتاب (السيرة الطائرة ـ أقل من عدو.. أكثر من صديق) وإلى ذلك ثلاث عشرة مجموعة شعرية وقد تُرجم إلى عدد من اللغات من بينها الإنجليزية، الإسبانية، الإيطالية، الألمانية، الفرنسية... ونال عددا كبيرا من الجوائز.
