أما الكلاسيكي فهو نجيب محفوظ وأما نقيضه فهو نجيب محفوظ ايضا، واذا كانت الكلاسيكية كما جاء وصفها في موسوعة المورد العربية، هي قواعد الادب والفن عند الاغريق والرومان، حيث الالتزام بالبساطة والوضوح والتناسب والعقلانية والسيطرة على العواطف والتوكيد الشديد على الشكل، واقترنت بهذا المصطلح، حركة إحياء الجماليات الكلاسيكية في القرنين السابع عشر والثامن عشر في أوروبا، وعبرت هذه الحركة عن توجهها الاحيائي بالنسج على منوال القدامى من الأغريق والرومان، فلست في هذا الشأن.
وما اقصده في الاشارة الى كلاسيكية نجيب محفوظ هو العمل على انجاز نمط مستقر، يبلغه الابداع بعد معاناة وبحث وتطلع الى الامام، كما عبر عن ذلك جبرا ابراهيم جبرا قبل نصف قرن غير ان هذا الاستقرار ومنظومة ثوابته، طالما واجهتها حركات التجديد، لذا فإن الكلاسيكية بهذا المعنى، ظهرت في أكثر من مرحلة تاريخية، وفي أكثر من ثقافة من الثقافات في العالم.
ومن هنا فإن التجريب، ليس غاية، انه وسيلة للوصول الى النضج وقوة التكوين، وهذا ما يعده البعض كلاسيكية.وينبغي ان أؤكد هنا، ان التحديث لابد ان يكون حركة اساسها اجتماعي، إذ ان جميع مشاريع الحداثة الثقافية، سبقت تحولات اجتماعية او رافقتها، ولم تأت بعدها وإلا تحولت الى فوضى لا اثر لها في الحياة الثقافية والاجتماعية.
ان فوضى الحداثة، هي التي كانت وراء سؤال الناقد المغربي عبدالقادر الشاوي، هل يمكن التفكير في ادب حديث، ضمن مجتمع وبنيات وذهنيات تقليدية؟ ويقول ايضا: الا يمكن القول ان تبلور الادب الحديث، رهين بتبلور المجتمع الحداثي؟
ليس في عصرنا هذا، وليس الامر مقتصرا على نجيب محفوظ بل كان ذلك في جميع العصور وعبرت عنه مواهب كبيرة، لأن المواهب الصغيرة لا تبني كلاسيكيات شامخة ولا تخرقها في حركات تحديث اصيلة.
وان موهبة شعرية خارقة مثل موهبة «ابو نواس» بكل ابعاد تجربته الحضرية، ماكانت لتظهر في مجتمع بدوي او ريفي، فهو ابن حاضرة البصرة وبغداد (المدينة) بكل تنوعها وتناقضاتها وحشد مصادرها الثقافية، وان ما يقرأ كتاب (الديارات) للشابشتي مثلا، يدرك ان بغداد التي عاش فيها ابو نواس وكتب شعره بين اوساط مجتمعها، هي مدينة بالمعنى المعاصر للمدينة، انها مثل القاهرة اليوم او الدار البيضاء أو حتى مثل اسطنبول ولذلك فإن الذين وقفوا موقفا (اجتماعيا) من شعره، انما نظروا اليه بمنظور بدوي أو ريفي، فسقطوا في اوهام مازال التاريخ الادبي يعاني منها.
ان عنوان هذه الفكرة (الكلاسيكي ونقيضه) تعود الى عام 1987 حين منح محفوظ جائزة نوبل، فبعد الاعلان عن فوزه بالجائزة وجهت مؤسسة الاهرام او وزارة الثقافة المصرية دعوات لعدد من الادباء العرب للاحتفاء بمحفوظ، وكان معظم المدعوين من الروائيين والنقاد، أما من الشعراء فمن أذكرهم البياتي وأحمد المجاطي، لقد حاولت أن أتذكر أسماء جميع المدعوين فعجزت.
واستعنت بالروائي الصديق عبدالرحمن مجيد الربيعي الذي كان من بين المدعوين، فما أسعفته ذاكرته أيضاً، لكن يمكن ذكر أسماء الطاهر بن جلون والدكتور علي فهمي خشيم وجبرا إبراهيم وفؤاد التكرلي وحميدة نعنع وإبراهيم الفقيه وآخرين، ومن المستعربين أتذكر روجر الين.
وفي لقاء بنجيب محفوظ، في مكتبه ببناية صحيفة الأهرام، حضره جميع المدعوين، وتحدّث من كان يريد الحديث، تحدّثت يومها وقلت: إن نجيب محفوظ، يمثل في تاريخ الرواية العربية ما مثلته أجيال من الروائيين في الرواية الغربية، وأنه اختصر ثلاثة قرون من تطور الرواية في العالم، في ما يقرب من نصف قرن.
حيث تنقل بين جميع المراحل الروائية التي عرفها النتاج الروائي العالمي وكتب فيها، وانتهى إلى تأسيس كيان روائي عربي راسخ، ومن ثمَّ عمل على تجاوزه، فهو الكلاسيكي ونقيضه، ومازالت عند هذا الرأي، وتلك مهمة صعبة حقاً وتاريخية، تمثل إنجازاً إبداعياً كبيراً وفي الوقت ذاته تتطلب موهبة ضخمة ووعياً استثنائياً وجلداً من طراز خاص، وفرصة تاريخية شديدة الخصوصية، وكل هذا توفر لنجيب محفوظ.
وهذا ما يشير إليه د. محمد عبيد الله: (إن المدقق في أعمال محفوظ، يلاحظ التزامه بالتجريب والتطور على امتداد حياته الكتابية، دون أن يستقر على شكل نهائي، وهذا التجريب لا يخضع لهاجس تجديدي في الشكل أو الأسلوب حسب، بل يخضع لتطور في رؤيته للقضايا التي انشغل بها).
بعد ما يقرب من عشرين عاماً، على تلك المناسبة وما دار فيها قرأت للناقد سعيد يقطين رأياً عن نجيب محفوظ حيث قال: «لا أجد من يجادل في قيمة نجيب محفوظ الأدبية والفنية، فهو غزير الإنتاج، واكب صيرورة الرواية العربية، وساهم بقسط وافر من مختلف تجاوبها، وأسس تقاليد الرواية في الخمسينات والستينات، حتى صار كل من يريد التجاوز، يجد نفسه أمام ضرورة هدم التقليد الذي أسس، أنه بمعنى آخر، اكتسب من خلال تجربته السردية، ما يضفي على أبعاده البعد (الكلاسيكي) بالمعنى الذي نجده في التصور الغربي، والذي لم يتحقق إلا للكتاب الكبار الذين يظلون معلمه في الفن الذي اشتغلوا به». اعترف أن يقطين، هو الذي أعادني إلى ما كان، من أن نجيب محفوظ هو الكلاسيكي ونقيضه وهذا ما سأتناوله في الفكرة المقبلة.