يعد التحكيم أحد الأضلاع الرئيسية في أي لعبة رياضية، إذا صح واستوى قويت، وإذا أصابه وهن وضعف تعرضت اللعبة للمرض والخلل، وكرة الطائرة تحديداً من اللعبات التي يقع على حكامها عبء كبير جدا في تقدم مستواها، ويكفي انها اللعبة الجماعية الوحيدة التي يقوم بإدارتها 6 حكام ما بين حكم أول وحكم ثان ومراقبي خطوط، علاوة على المسجلين والمراقبين.

وبصراحة شديدة كانت مفاجأة لي شخصيا ان اعلم ان حكام الكرة الطائرة ورغم كل المجهودات الكبيرة التي يبذلونها طوال الموسم الرياضي في إدارة ما يزيد على 700 مباراة في كل المسابقات والبطولات الودية والرسمية يحصلون على مخصصات مالية وأرقام أقل من ان تكون هزيلة، وقد يعف اللسان عن ذكرها، ويكفي القول ان لائحة بدل الانتقال تنص على حصولهم على درهم واحد فقط لا غير عن كل كيلو متر يقطعونه في سبيل إدارة مباراة في إمارة اخرى، وبالتالي فان أكبر مقابل يحصلون عليه يكون عند انتقالهم من دبي إلى أبوظبي مثلا وقتها يكون مقابل الانتقال هو الأعلى والأضخم حيث يدور في فلك 150 درهماً.. نعم 150 درهماً لترك أسرته واعماله وقضاء حوالي 7 ساعات مابين الانتقال قبل وقت مناسب من المباراة ثم العودة بعدها.. كل ذلك في سبيل 150 درهماً قد ينفق معظمها على وقود سيارته!

في البداية يوضح عبد الله المناعي عضو مجلس إدارة اتحاد الطائرة رئيس لجنة الحكام ان اتحاد الطائرة يوجد به حوالي 70 حكماً موزعين على الدرجات المختلفة ما بين حكم دولي ودرجة أولى وثانية وثالثة، وقد انضم لهذا العدد مؤخرا 50 حكما جديدا اجتازوا دورة الحكام ليرتفع العدد إلى حوالي 120 حكما من بينهم 13 حكما دوليا، وهو ما يعزز مكانة الكرة الطائرة الإماراتية على المستوى العربي والدولي.

ويضيف رئيس لجنة الحكام انه رغم الزيادات الرهيب على الأسعار وكل متطلبات الحياة الا ان المخصصات المالية للحكام ثابتة ولم تتغير ولم يطرأ عليها أي تعديل منذ صدور لوائح الاتحادات في السبعينات من القرن الماضي، وكل ما حدث انه تمت إضافة ما بين 20 - 30 درهماً على بدل التحكيم ليصل إلى 160 درهماً للحكم الدولي وينخفض لغير الدوليين ليصل إلى 110 دراهم فقط، اما بدل الانتقال فهو ثابت منذ أكثر من 40 عاما درهم واحد لكل كيلو!

30 درهماً في الساعة

ويضرب المناعي مثلا بقوله لو أن حكماً من دبي مكلف بإدارة مباراة في عجمان الساعة 30, 4 عصرا فانه سيخرج من بيته قبل الثالثة عصرا على الأقل لضرورة وجوده قبل المباراة ب 30 دقيقة، وعلاوة على ساعتين متوسط زمن المباراة فانها ستنتهي على حدود 30, 6 وسيكون في طريق عودته على حدود الثامنة مساء أي انه قضى حوالي 5 ساعات على الأقل في سبيل الحصول على 110 دراهم للحكم غير الدولي إضافة إلى 40 درهماً قيمة ما تنص عليه لوائح الانتقالات من دبي إلى عجمان ويصبح الإجمالي 150 درهماً بمعدل 30 درهماً في الساعة، لا تكفي كتعويض عن الوقت الذى قضاه بعيدا عن أهله وما تكبده من جهد ومصاريف انتقال وطعام وشراب.. طبعا لا وجه للمقارنة !

وسائل تحفيز

وقال رئيس لجنة الحكام ان مجلس إدارة اتحاد الطائرة لا يدخر جهدا نحو محاولة علاج هذا الموضوع استنادا إلى ان استمرار هذه المسألة من شأنها ان تكون عامل طرد لحكام الطائرة، وبالتالي يتأثر نشاط اللعبة ككل، ولذلك فقد تم مؤخرا رفع مقترح إلى الهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة يطالب فيه بزيادة المخصصات المالية للحكام بما يتماشى مع الظروف الاقتصادية وارتفاع أسعار كافة المستلزمات.

وفي نفس الوقت فان لجنة الحكام وبدعم من رئيس الاتحاد محمد عبد الكريم جلفار وأعضاء الاتحاد جميعهم تم ابتكار وسيلة تحفيز للحكام كشكل من أشكال الدعم المادي، بتخصيص بعض المكافآت المالية للحكام المتميزين عن طريق الجهود الذاتية وهذه الوسيلة لم تكن موجودة من قبل، وهي طبعا ليست كافية ولكنها مجرد وسيلة دعم من اللجنة والاتحاد للتغلب ولو بشكل بسيط على هذه المشكلة.

المشكلة كما يراها عبد الله المناعي انه بعد كل ذلك ان يكون في غاية الدقة عند إدارته للمباريات التي اصبحت كلها حساسة مع اشتداد المنافسة في البطولات وعودة اللاعبين الأجانب بغض النظر عن المشاكل التي تواجه الحكام.

من جهتهم اعتبر حكام الكرة الطائرة انه لولا حبهم الشديد لهذه الرياضة لتركوها منذ زمن لو كانوا يعيلون عليها في جعلها مورد دخل لهم، فهم يصرفون عليها اكثر مما يحصلون منها، فحكمنا الدولي حامد الروسي يتعجب من ان يدير حكام الكرة الطائرة أكثر من 700 مباراة في الموسم في كل المسابقات وفي مختلف الفئات للرجال وأخيرا للنساء

ومع هذا لا ينظر إلى مجهوداتهم بالشكل الذي يليق مع ما يقدمونه،ويتساءل هل لزاما علي ان أترك عملي في منتصف الأسبوع وانا حكم غير متفرغ وأتوجه مثلا لأبوظبي لادارة مباراة هناك من 5 أشواط مقابل 150 درهماً هي تكلفة بدل الانتقال إلى أبوظبي قد أصرف أكثر منها وانا على الطريق في الوقود او لتناول وجبة غذاء فقط.

ويقول الروسي انه كحكم طائرة دولي أمضى 19 عاما في ملاعبها لولا وصوله للمحافل الدولية وأصبح يستدعى بالاسم لإدارة المباريات في البطولات الكبرى لكان ترك اللعبة من وقت طويل، لانه لا يوجد مردود واضح لمجهود حكام الطائرة على الرغم من ان اتحاد الطائرة يعد هو الاتحاد الوحيد المكتفي ذاتيا بحكامه على عكس اتحادات أخرى تستعين بحكام أجانب لادارة مبارياتها.، وللحق فان اتحاد الطائرة ليس له ذنب في هذا الموضوع ولا يلام عليه، ولكن الهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة مطالبة بإعادة النظر في هذا الموضوع وتقدير الحكام بما يستحقونه.

لا مقارنة

ورفض الروسي مقارنة حكام الطائرة بحكام كرة القدم، وقال ان كرة القدم بصفة عامة تحظى بكثير من الاهتمام والرعاية ولكن على سبيل المثال فان حكم القدم يحصل على ما لا يقل عن 750 درهماً عند إدارة مباراة واحدة فقط، في حين انه هو قام بإدارة 6 مباريات خلال الأسبوع الماضي ولم يحصل على نفس هذا المبلغ.

ويتفق في نفس الرأي الحكم الدولي خالد مراد عضو لجنة الحكام مؤكدا انه لولا حب حكام الكرة الطائرة لكانوا هجروها منذ أمد بعيد، ولو كانوا معتمدين فقط على ما يحصلون عليه من عائد مادي لكي يستمروا لكانت هذه اللعبة واجهت مأزقا شديدا بعدم وجود حكام يديرون مبارياتها.

وأضاف خالد مراد انه رغم حرص هيئة الشباب والرياضة على تعديل أوضاع كثير من الرياضيين الذين يندرجون تحت مسؤوليتها الا انه لم يتطرق أحد لمكافآت الحكام ولا مستحقاتهم المالية ليس في كرة الطائرة فقط ولكن في كل اللعبات الاخرى على الرغم من انهم أحد العناصر الأساسيين للرياضة، وينصب كل اهتمام الهيئة على المنتخبات فقط وكأن الحكام ليسوا في البال.

لوائح لا تتغير

وتساءل حكمنا الدولي كيف تحتفظ مستحقات الحكام المادية بثباتها منذ ما يزيد على 30 سنة دون تغيير، على الرغم من تغيير كل شيء وارتفاع الأسعار، حتى رادارات الطريق لا ترحمنا ونحن نحاول اللحاق بالمباريات.

وأشار خالد إلى نقطة مهمة بقوله ان حكام الكرة الطائرة دون غيرهم من اللعبات الجماعية الأخرى الذين يحظون بترشيحات عديدة على مستوى العالم بما يسهم في إعلاء شأن الطائرة الإماراتية وتواجدها في المحافل الدولية، ولكن المشكلة ان ما يحصل عليه الحكم المشارك في بطولة عالمية أقل بكثير مما سيدفعه في فاتورة هاتفه المحمول للاطمئنان على أسرته، دون ان يحاول التفكير حتى في إحضار هدية بسيطة ولو قلم لزملائه. واختتم خالد مراد انه لو كان لديه هواية أخرى غير كرة الطائرة لكان هجرها من زمان.. لأنه بالحسابات المادية سيكون خاسراً.

شر البلية!

وعلاوة على كل ما قاله حكامنا فيشير حكمنا الدولي الكبير نجيب بلال النوبي عضو لجنة الحكام على نقطة أخرى في إطار ان شر البلية ما يضحك، فقال انه علاوة على ما يتكبده الحكم من خسائر مادية وتعب وإرهاق في سبيل تأدية مهمته على خير وجه الا انه ايضا قد يتعرض للإهانة من جماهير ومسؤولي الفريق الخاسر الذي سيلقون عليه بلائمة الخسارة ويعفون فريقهم منها تماما.. فما الذي يجبر الحكام على المضي قدما في هذه المهنة ؟!

وضرب حكمنا الدولي مثلا ببطولات الخليج حيث يحصل فيها الحكم القطري على مصروف جيب يومي 1500 درهم، في حين يحصل الحكم الإماراتي على 300 درهم والبطولة واحدة! وأضاف نجيب النوبي ان الاتحاد يحاول جاهدا دعم حكامه سواء على سبيل منح المميزين منهم مكافآت إجادة، او عن طريق منحهم مكافأة في المباريات النهائية للبطولات ولكن هذا يخضع لوجود راع يتولى دعم البطولة.

العودة مجاناً

ويلفت الحكم المرشح للشارة الدولية أحمد إبراهيم النظر إلى ان لائحة الانتقالات حتى ولو كانت تتحدد على أساس المسافة التي يقطعها الحكم فإنها اقتصرت على رحلة الذهاب فقط للمباراة، اما رحلة العودة فهي مجانا، فاذا قطع الحكم مسافة 150 كيلو ذهابا من دبي إلى ابوظبي فانه حصل على 150 درهماً اما رحلة عودته فهي مجانا على حسابه الشخصي، وهذا ما يدفع كثير من الحكام للاعتذار عن إدارة مباريات خارج إمارتهم.

ويضيف ايضا أحمد إبراهيم إلى انه عدم وجود تمييز بين الحكام الدوليين وباقي الدرجات في إدارة المباريات ولمختلف المسابقات، جعل كثير من الحكام يفضلون إدارة مباريات الناشئين والأشبال طالما كان البدل واحدا في المباريات، على الأقل سيتجنبون الشد العصبي الموجود في مباريات الرجال وما يصاحبها من توتر وشد وجذب واعتراض على الحكام.

450 ألف درهم

تبلغ قيمة مخصصات الهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة لاتحاد الكرة الطائرة 450 ألف درهم للإنفاق على مخصصات الحكام وبدلاتهم بالإضافة إلى بند الإنفاق على مشاركتهم الخارجية، بمعنى ان أي مشاركة خارجية للحكام تقتطع من نفس هذا المبلغ.

120 حكماً الموسم المقبل

يبلغ مجموع حكام الكرة الطائرة المقيدين بالاتحاد 70حكما منهم 13 دوليا، بالإضافة إلى وجود 4 حكام في مرحلة التأهيل للدولي، و 15 حكما درجة اولى و20 حكما درجة ثانية والباقي حكام درجة ثالثة، وقد اجتاز مؤخرا 50 حكما جديدا دورة التحكيم التي اقامها الاتحاد وتقدم لها 56 شخصا نجح منهم هؤلاء ال50 والآخرون سيبدأون مشوارهم مع مسابقات الكرة الطائرة ابتداء من الموسم المقبل ليرتفع مجموع الحكام إلى حوالي 120 حكماً.

50 درهماً زيادة للدولي

تنص لائحة مكافأة حكام الكرة الطائرة على حصولهم على درهم واحد مقابل كل كيلو متر يقطعه الحكم في طريقه لإدارة أي مباراة خارج الإمارة الموجد بها وذلك كبدل انتقال، اما بدل التحكيم فهو يتراوح ما بين 160 درهماً في المباراة الواحدة للحكم الدولي و110 دراهم لباقي درجات الحكام في المباراة الواحدة أيضا.

700 مباراة في الموسم

تتراوح عدد المباريات التي يديرها حكام الطائرة سنويا ما بين 700 إلى 1000 مباراة في الموسم الواحد مابين المسابقات الرسمية المحلية لمختلف الفئات للرجال والشباب والناشئين والأشبال، علاوة على البطولات الودية والرمضانية والموسمية، إضافة إلى بطولة دوري السيدات الذي أقيم مؤخرا.

الجنس اللطيف يغزو عالم التحكيم

غزا الجنس اللطيف عالم التحكيم في كرة الطائرة، ووصل عدد المحكمات من بنات حواء اللاتي يقمن بإدارة المباريات فعلا كمراقبات خطوط إلى 10 محكمات كلهن من الوافدات، ومنهن من على وشك الحصول على الشارة الدولية مثل مشكان محمود بعد خوض دورة تأهيلية ستقام في بانكوك الشهر المقبل، وهو ما يحسب للجنة الحكام باتحاد الطائرة على اعتبار أنها خطوة سباقة في الاستعانة بمحكمات سيدات لإدارة المباريات مع بدء أول نشاط دوري للكرة الطائرة النسائية أيضا.

يذكر أن هذا العدد سيتزايد الموسم المقبل بعد الدورة التأهيلية للحكام الأخيرة التي اجتازها 50 حكما منهم 27 محكمة سيدة ليصل العدد مستقبلا إلى 37 محكمة.

تحقيق : وليد فاروق