أكّد وزير الثقافة الأردني الدكتور عادل الطويسي انه لأول مرة يتم اعتماد الثقافة كبعد رابع للتنمية في البلاد بعد أن كانت هذه الأبعاد محصورة بالجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وأوضح الوزير في حوار اجريناه معه، ان الأردن يرتبط باتفاقيات تبادل ثقافي مع 47 دولة عربية واجنبية مشيراً إلى ان الموارد المالية المتاحة تحد من استحقاقات تفعيل هذه الاتفاقيات. وأضاف وزير الثقافة الأردني أن العالم يعيش حركتين متضادتين حيال الثقافة بشكل عام، الحركة الأولى هي العولمة التي تحاول اذابة معظم ثقافات الشعوب في ثقافة واحدة في حين تتجه الحركة المضادة إلى التركيز على التنوع الثقافي.

وقال ان خطر التنمية الثقافية تتضمن دراسة انشاء دار وطنية للنشر والترجمة او انشاء مديرية مختصة بالترجمة على اقل تقدير، كما تتضمن تنفيذ مشروع مكتبة الاسرة التي تهدف إلى توفير طبعات رخيصة من بعض الكتب التي يمكن ان تكون مواصفاتها ضمن اهتمامات معظم الاسر في البلاد.

مشيراً إلى ان هناك توجهاً لان تكون هناك كتب بأسعار لا تتجاوز 30 أو 40 قرشاً. وقال اننا نعمل على تحسين الموارد الثقافية من خلال إنشاء صندوق لدعم ورعاية الثقافة بغية توفير الموارد المالية اللازمة لدعم الثقافة والفن في الأردن. هنا نصّ الحوار:

* كيف تصفون الخارطة الثقافية في الأردن؟

ـ الخارطة الثقافية في الأردن بحاجة إلى تثبيت حدودها. وهذه الحدود تتعلق باستقرار وزارة الثقافة، التي تعرضت لتاريخ غير مستقر بين الإبقاء والإلغاء، وبين الاستبدال بهيئة أخرى، وهذا كان له أثر سلبي على العاملين في الوزارة، وعلى المتعاملين بالوسط الثقافي والفني سواء بسواء.

من جانبي فإنني أعمل على تثبيت بعض هذه الحدود، ومن بينها مأسسة العمل في الوزارة. ولهذا الغرض وضعتُ خطة التنمية الثقافية 2006/2008، وبدأنا بوضع هذا المصطلح على خارطة بيانات الوزارة ولأول مرة في الاردن. يتحدث البيان الوزاري للحكومة عن الثقافة كإحدى جوانب التنمية الأربعة في المملكة، أي أنه أُضيف بُعد رابع للتنمية هو البُعد الثقافي، بعد أن كان الحديث عن ثلاثة أبعاد للتنمية: البُعد الإقتصادي، والسياسي والاجتماعي.

* ما هي خطط التبادل الثقافي، وهل هناك نية لتفعيل الإتفاقات الثقافية عربياً وعالمياً؟ وهل هناك توجه لإنشاء مديرية للترجمة، من واقع ان الترجمة هي قناة التواصل مع الثقافات الأخرى...

ـ نحن نرتبط بـ 47 اتفاقية تبادل ثقافي مع دول عربية وأجنبية، ولا أخفيك ان الموارد المالية المتاحة تحدّ من استحقاقات تفعيل هذه الإتفاقات. إضافة إلى أن بعض الدول ليس لها متابعات معنا لتفعيل هذه الإتفاقات. ولكن بموضوعية أقول نحن نقيم ما لا يقل عن 5 إلى 7 أسابيع ثقافية خارج الاردن، ونستقبل نفس العدد تقريباً كل عام، بالإضافة إلى أنشطة السفارات الثقافية والفنية، بالتنسيق معنا.

أما بالنسبة للترجمة فإن مشاريع خطة التنمية الثقافية تتضمن دراسة إنشاء الدار الوطنية للنشر والترجمة. نحن الآن بصدد تشكيل لجنة تقوم بوضع التصور اللازم لهذا المشروع، خاصة أنني وجدت من خلال زياراتي للعديد من الهيئات الثقافية ومقابلاتي مع رموز الثقافة في الأردن أن هناك تبايناً في الآراء حول هذا المشروع بالذات. وإذا تمّ السير في إنشاء هذه الدار فسيكون لها أثر إيجابي بالتأكيد على حركة الترجمة. وإلا فإن البديل سيكون إنشاء مديرية للترجمة مختصة بهذا الأمر في الوزارة.

* الثقافة قوة كامنة كيف تُوظف هذه القوة في الأردن لجعله دولة مواكبة للعصر، ورائدة ثقافياً في الوطن العربي؟

ـ مجرد أننا استطعنا أن نبعث البعد الرابع للتنمية في الأردن، وهو التنمية الثقافية كما ذكرنا، ومجرد أننا وضعنا الخطة اللازمة لتأطير هذا البعد من جهة، ووضع الأرضية اللازمة له من جهة أخرى يجعلني أعتقد أنه إذا ما قيض لبرامج ومشاريع الخطة التنفيذية النجاح المرجو فإننا سنصل إن شاء الله إلى القوة الكامنة التي أراها بالفعل كامنة في الإنسان لأن الإستثمار الرئيسي في هذا البلد هو الإستثمار في الموارد البشرية.

* ظل الأردن على مدى عقود طويلة، رغم ما يزخر به من طاقات إبداعية مقصراً في حق ذاته ثقافياً، ما هي الأسباب الموضوعية أو الذاتية لهذا القصور؟

ـ هناك تباين في حقول ومجالات الثقافة والفن المختلفة، من حيث تقدمها أو ازدهارها، أو ضعفها. ولا نستطيع أن نعمم بالقول إن هناك تقصيراً مطلقاً في حق الثقافة الوطنية، لكن بالتأكيد هناك ظروف تؤدي أحياناً إلى ركود في الحراك الثقافي والفني. ومن أهم هذه الأمور ضعف تسويق المنتج الثقافي والفني الأردني، ولهذا احتوت خطة التنمية الثقافية على عدد من البرامج التي من شأنها المساعدة على تنشيط حركة تسويق المنتج الأردني.

فهناك مشروع سيتم تنفيذه بالتعاون مع وزارة السياحة، وهو مشروع السياحة الثقافية. وهناك برنامج استحداث الملحقين الثقافيين في الخارج الذين سيكونون مؤهلين لتسويق المنتج الثقافي، بالإضافة إلى إنشاء مديرية الاتصال والترويج الثقافي في الوزارة.

* في الأردن، كما هو الشأن في عالمنا العربي كافة، إزدواجية ثقافية تصل أحياناً إلى حد الانفصام بحكم الصراع بين التيارات الفكرية المتضاربة وبحكم الثقافة الدينية التي تقوم على قراءات عديدة كثيراً ما تعرضها للتشويه. أي دور يمكن أن تلعبه وزارة الثقافة الاردنية من أجل ثقافة واعية؟

ـ نعيش في هذا العالم حركتين متضادتين حيال الثقافة بشكل عام. الحركة الأولى هي العولمة التي تحاول إذابة معظم ثقافات الشعوب في ثقافة واحدة. ولا شك في أن هذه الثقافة ستكون ثقافة القوي المهيمنة إقتصادياً وسياسياً وعسكرياً على العالم. في حين تتجه الحركة المضادة التي تتبناها اليونسكو، إلى التركيز على التنويع الثقافي، وعلى احترام حق الشعوب في الاحتفاظ بخصوصيات ثقافاتها.

في ظل هذا الصراع، إذا جاز لنا أن نسميه كذلك، لا بد لنا من العمل على تحصين أفراد المجتمع، وخاصة الشباب، ليكون قادراً على الدفاع عن خصوصيات ثقافته العربية الإسلامية، وعدم الإنغلاق عن الثقافات الأخرى، بحيث نخلق شخصية مواطن متوازن.

وفي هذا الشأن هناك عدد من المشاريع التي احتوتها خطة التنمية الثقافية ستصب في هذا الإتجاه، اذكر منها البرنامج الوطني لتنمية ثقافة الحوار. إضافة إلى برنامج الثقافة المجتمعية.

* التسامح الديني من الظواهر الراسخة في الاردن، الذي يُعتبر بلداً نموذجياً للتآخي والتعاطف والتلاحم بين طوائفه، ما هو دور الثقافة في تعزيز هذه الروح التسامحية؟

ـ البرنامج الوطني لثقافة الحوار يحتوي على أنشطة عديدة بينها أنشطة لها علاقة بتأهيل الشباب الأردني كي يصبحوا قادرين على ممارسة الحوار وثقافة الحوار وهذا طبعاً يتأتى من خلال أمرين اثنين: الأول تعريف المواطن الأردني بثقافته العربية الإسلامية، وبأهمية هذه الثقافة، أما الأمر الآخر فهو تعريف المواطن على الثقافات الأخرى، ومنها الجانب الروحي لهذه الثقافات، الذي يمثل الدين جانباً مهماً فيها.

ونحن إذ نقوم بذلك فإننا حقيقة نطبق مباديء ديننا الإسلامي الصحيح الذي يدعو إلى الوسطية والاعتدال والتسامح والاعتراف بالآخر فإذا كان الله عز وجل، وهو يمثل الحق المطلق يحاور إبليس وهو الشر المطلق في القرآن فهذا أكبر دليل على التسامح في ثقافتنا وحضارتنا، واكبر دليل بأننا لا نؤمن بمحاولة إلغاء الآخر وإقصائه.

* الثقافة في بلادنا العربية تقتصر على النخب التي تصنع هذه الثقافة فيما بقي المواطن العادي بعيداً عن الفعل الثقافي بوجه عام، لأسباب كثيرة ومنها في رأيي كلفة المنتج الثقافي من ناحية، ثم السياسة الثقافية التي لا تزال مغلقة على نفسها، هل تتفق مع هذا الرأي؟

ـ كجزء من الضعف العام في رؤيتنا لأهمية الثقافة والتنمية في الأردن فان الناس ينظرون إلى الثقافة على انها حكر على النخب، وانها خاصة ومقتصرة على هذه النخب، ومن هنا يأتي الحديث عن الشخص المثقف والشخص غير المثقف، والحقيقة ان كل إنسان لديه نسبة معينة من الثقافة، فليس هناك شخص غير مثقف وحتى الإنسان الأمي الذي يقوم بواجباته الدينية مثقف في جانب من جوانب الثقافة الروحية وهي الدين، ولهذا برز موضوع الاحتكار الذي تمارسه بعض النخب والذي يؤدي إلى تفشي فكرة ان الثقافة مقتصرة على النخب وحدها.

رابطة الكتاب الأردنيين تكرم الطويسي وتصف مرحلته بالجديدة

احتفلت رابطة الكتاب الأردنيين في العاصمة الأردنية عمان بوزير الثقافة الأردني د.عادل الطويسي وذلك تقديرا للدور المحوري الذي يضطلع به على صعيد ترسيخ الثقافة في الحياة العامة وتدعيم فرص تطويرها وازدهارها من خلال ما يوليه من أهمية للمؤسسات الثقافة الأردنية بعامة، ولها بشكل خاص، وفق قول بطاقة الدعوة التي وزعتها الرابطة.

وفي كلمة له قال الوزير إن هذا التكريم يشكل له حافزا باتجاه المزيد من العمل من أجل الثقافة وأهلها مثمنا على العلاقة التي تربط الوزارة برابطة الكتاب وهي العلاقة التي اعتبرها نموذجية على صعيد التواصل والتعاون ما بين مؤسسات القطاعين الرسمي والمدني.

فيما اعتبر رئيس الرابطة د. أحمد ماضي هذه الفترة التي يقودها الوزير ثقافيا «جديدة في تاريخ الوزارة»، مشيراً إلى أن موازنة الوزارة بلغت هذا العام أربعة عشر مليون دينار بعد أن كانت أربعة ملايين كما أن جائزة الدولة التقديرية أصبحت خمسة عشر ألف دينار بعد أن كانت عشرة آلاف إضافة إلى فتح مديريات الثقافة في المحافظات للإسهام في رعاية الشأن الثقافي خارج العاصمة»، فيما أشار إلى خطة التنمية الثقافية للأعوام (2006 ـ 2008). وقال: «لقد تم انجاز الكثير حتى الآن».

اما المنتج الثقافي لدينا في الأردن فهو غير مكلف، فأسعار الكتب مثلاً معقولة جداً، وكذلك المجلات، وان كان قد ظهر على الساحة الثقافية في السنوات الأخيرة عدد من المجلات التي يعتبر ثمنها باهظاً بالنسبة لدخل المواطن العادي، ولهذا احتوت خطة التنمية الثقافية على مشروع مكتبة الأسرة التي تهدف إلى توفير طبعات رخيصة من بعض الكتب التي يمكن ان تكون مواصفاتها ضمن اهتمامات معظم الاسر في الأردن، كي تكون هذه الكتب من ناحية السعر في منتاول اي أردني، ونحن نفكر هنا في ان تكون هناك كتب بأسعار لا تتجاوز 30 أو 40 قرشاً، بحيث تكون الطبعة على حساب الوزارة وليس على حساب المؤلف.

* المهرجانات الثقافية فنية ومسرحية وسينمائية في الأردن تشكو من قلة الموارد المالية واللوجستية ومن «تقصير الدولة في حقها»، وانعكس هذا الوضع سلباً على ترويج المنتج الثقافي الأردني عربياً وعالمياً كما انعكس على السياحة، فهل لديكم حلول لهذا الواقع؟

ـ مؤخراً انتهت لجنة من وضع مسودة نظام ينظم عمل المهرجانات في الأردن ويجدد أساليب دعمها، وضمن الأمور التي يحددها النظام بعد صدوره توقيت هذه المهرجانات بحيث لا تنظم في نفس الفترة الزمنية، مما يؤدي إلى توزيع الجمهور عليها، إضافة إلى معايير محددة للتمييز بين المهرجانات ذات القيمة الثقافية العالية وبين المهرجانات التي تهدف لتحقيق الربح المادي فقط، ليتوجه الدعم للنوع الأول من هذه المهرجانات، لكن لا بد من الاعتراف بان الامكانات لدى الوزارة متواضعة .

وهذا ينعكس على مدى قدرتنا على دعم ليس فقط المهرجانات بل جميع الأنشطة الثقافية والفنية، ونحن نعمل على تحسين هذه الموارد من خلال إنشاء صندوق دعم ورعاية الثقافة، وهو الصندوق الذي أُقِرّ مؤخراً ضمن قانون الرعاية الثقافية الذي اقره مجلس الأمة، وبعد ذلك سنبدأ بوضع نظام إنشاء هذا النظام الذي سيوفر مورداً مالياً محترماً لدعم الثقافة والفن في الأردن.

* هل الثقافة شعر وقصة ورواية وموسيقى وفن ومسرح فقط؟ توجد الوان أخرى من الثقافة، وما أكثرها، اعتنى بها الغرب واهملناها نحن؟

ـ الثقافة ليست قصراً على هذه الانواع التي ذكرتها لان الثقافة بمفهومها الواسع تعني سبيل العيش والتفكير لشعبٍ ما، وبذلك فهي تشمل جوانب روحية تتمثل في الدين واللغة والعادات والتقاليد والقوانين وغيرها، وجانباً مادياً يتمثل في ما هو موجود وملموس في هذه الحياة، وبالتالي لا نستطيع ان نقصر معنى الثقافة على الشعر والقصة والرواية وحدها.

عمان ـ لقمان اسكندر