العودة للأعماق أسهل بكثير من الذهاب إليها، والرجوع من الغربة أطهر بقليل من الموت فيها، والمستحيل أنقى بهديل من الصمت فينا..
فمثلث الأبعاد وجوهنا الدائمة وشبابيك عيوننا.. دمعة.. ومهزلة.. وعويل..
غسق البهاء لا يوحي دائما بالتفاصيل، فما عاد الصبح مفتاح الصفاء
ولا الغربة حكايا الراحلين.. هذي البلاد لا تقرأ مهمشيها، لا ترنو ولا تشدو إلا للماجنين فيها، ولمع السراب غرة الهذيان والأقنعة تصل مرات ومرات إلى مراميها..
دفق العطاء لا يسبى بالتسابيح، والذاكرة المثقوبة لا ترتقها الافتقادات..
هذي الأوطان لا تعرف عاشقيها، لا تصحو ولا تغفو إلا للعابرين فيها،
وبدء الترحال دمعة الشطآن، والأشرعة لا تبحر إلى منافيها..
سم الرجاء لا يعطى بالأقاويل، والأوردة لا تصفو بالتراتيل، نزف الأحزان نسغ التاريخ فيها، وهذي البلاد لا تروي شاربيها، لا تصبو ولا تغدو إلا للداجرين تيها، ودمل السحاب تماه وهوان، والأبخرة لا تهوى الا محرقيها.. دفء التراب لا ينسى النراجيل، والأسئلة لا تعزل بالتوابيت..
ربما كلمة الافتقاد ليست متداولة كثيرا في قاموسنا اليومي، حيث استعضنا عنها بكلمات مرادفة كالموت والخسارة والشوق والضياع.. وربما نظرتنا إلى الماضي انتقائية إلى حد المرض.. نبكي موتانا وتلحقهم دمعتنا حتى اللحد، وننساهم بعد أسابيع، ونكنس كل ذكراهم ووصاياهم، ونتقاسم في المحاكم تركتهم حتى قبل تأبينهم..
إذا تركنا الحبيبة تكون الثانية على مرمى رؤيتنا، وإذا تركتنا هي، نركض خلفها كطفل يلحق بأم لئيمة، ونحلم ونبكي ونكتب الأشعار.. ونمرض ونموت حتى تأتي البديلة.. ولا يزيح المرأة إلا المرأة.. فعن أي معايير للافتقاد يمكننا التحدث؟
ولأنه لم يعد ثمة أصدقاء فلا متسع للحديث عن افتقاد الصديق.. ولكن ماذا عن يومياتنا؟ ماذا عن افتقاد زميل في العمل، لماذا لا ننظر إلى الوراء مطلقاً؟ لماذا نخاف وضعه ونصطف تلقائياً مع من تسبب في مغادرته؟ لماذا لم يعد أي مجهود بشري في مجال من مجالات العمل يترك حيزاً من الفراغ بعد رحيل صاحبه؟
ألا يدفعنا هذا لإطلاق معايير جديدة على الفروق بين العطاءات أو الإبداعات البشرية، ألا يؤكد ذلك انعدامها؟
والمشكلة الأكبر أن ذلك لا يتوقف على نمط معين من أنماط العمل، أو نمط مغلق قائم بذاته، فالإعلامي حافظ الميرازي مثلا، كان يطل من واشنطن على كل العالم، وتستضيفه كل البيوت، إعلامياً وطنياً مثقفاً مبدعاً، قريباً من كل تطلعات الناس وحسهم وأفكارهم، يمتلك قدرة كبيرة على الحوار، وإن كان من منطلق اعرف عدوك، فقد كان موضوعياً وشفافاً.. رحل الميرازي إلى مكان عمل آخر، ولماذا؟ ربما ليست هي المشكلة، ولكن المشكلة الحقيقية لماذا لم نفتقده؟ ولماذا لم يصرخ أحدهم متسائلاً: أين حافظ الميرازي؟