خرج أحمد من بيته ضاجاً ومقهوراً يلعن الأيام والظروف التي جعلته فقيراً معدماً لا يملك شيئاً من الدنيا سوى اليأس والديون وكثرة الأبواب المغلقة، فيما بقية من يعرفهم يتلذذون في بحبوحة المال والأمل. وبعد ان تجول في المدينة لساعات تمكن منه الضجر أكثر فجلس يبكي قرب البحر ولم يلتفت إليه احد رغم مرور العشرات من الناس حوله.
بعد غفوة طويلة استيقظ احمد ليجد المكان خاليا والناس قد غادروا ليناموا في هناء..اقترب منه رجل عجوز وقال: انت تملك الكثير من الأشياء الجميلة.. عليك ان تعمق نظرتك للحياة لترى جواهرها، وكلما كانت نظرتك أعمق كلما اكتشفت المزيد من الكنوز التي لا تتكشف الا لمن يتركون لأرواحهم العنان كي تتحرر من الرغبات المادية المباشرة والزائلة..لكن احمد شاح بعينه بعيدا وحدّق في الرمل للحظات وعندما رفع رأسه كان الرجل العجوز قد اختفى.
في طريق عودته إلى البيت فكر احمد في حكمة العجوز وقرر ان يطبقها وسأل نفسه: ماذا املك الآن؟ هذا الشارع الذي امر فيه يوميا..آه انه شارعي..وهذه الأشجار على الرصيف التي تظللني كل يوم. آه انها اشجاري وهذه السماء وهذه النجوم وهذا القمر هي سمائي ونجومي وقمري..إنني املكها كلها..وبالتدريج بدا احمد يدرك الأشياء الجميلة الكثيرة التي يحق لها ان تكون ملكه.
في الصباح طبق احمد حكمة الرجل العجوز على جميع تفاصيل يومه وترك طاقة الحب تتدفق منه إلى كل الأشياء حوله من سرير الصباح إلى الأبواب والنوافذ والسلالم والنباتات والهواء..كلها ملكي كان يقول، والناس كلهم ناسي، يحق لي ان اتلذذ بالحياة بعيدا عن فكرة الثراء والمادة والبريق والكاذب..وخلال أيام صار يشعر انه يملك الدنيا كلها، ويملك الأحلام والمستقبل والجمال والكلمات.
هذه الطيور تغرد من اجلي صار يقول
الوردة تتفتح لي
والشمس تشرق كي لا أضيع في الدروب المعتمة
الحياة أغنية أنا نايها
في كل خطوة اجدد حريتي وفي كل قفز ارتقي
روحي ترفرف في الوجود وتشعر بالجمال كله
الرمل حروف قصيدتي
والبحر كتابي.
بعد ثلاثين سنة من الغناء الحر، تحول احمد إلى كائن من نور وصارت كلماته تنعكس براقة في معاني الأشياء التي نحتاج ان نحبها أكثر كي نغوص في أعماقها ونكشف جمالها، وأول هذه الأشياء هو معنى الحياة.