تُختتم مساء اليوم في قصر الإمارات بأبوظبي الندوة الثقافية التي أقامتها جامعة السوربون الباريسية بالتعاون مع فرعها في أبوظبي حول رائعة الشرق الأسطورية «ألف ليلة وليلة»، وتحدث في الندوة التي بدأت الخميس مجموعة من كبار المتخصصين في الأدب الشرقي الكلاسيكي، وباحثين في تاريخ الأدب المقارن،
وشهدها جمهور غفير من كافة جنسيات العالم بدلالة واضحة لعالمية وكونية رائعة الشرق الأولى وتأثر كافة شعوب وآداب الأرض بها. امتزجت محاضرات افتتاح الندوة؛ بمقطوعات موسيقية على الكمان لأحد العازفين الغربيين، واختار المتحدث الأول الدكتور جان روبرت بيت رئيس جامعة السوربون ـ باريس تناول جزئية من موضوعات «ألف ليلة وليلة»
كما هي عادة الباحث الغربي، وكانت موضوعة «الخمر» وموقعه في حكايات الرائعة الشرقية هي ما اختاره الدكتور بيت، حيث أورد أمثلة نصية من الحكايات، اتبعها بتحليل نفسي تاريخي بدلالات أدبية لتأثير هذه الجزئية في تركيب الحكايات.
أما المتحدث الثاني الدكتور أبو بكر شرايبي فقد تطرق في محاضرته «أسطورة وتاريخ ألف ليلة وليلة في الشرق بمنظور غربي» إلى تعريف مفهوم «الليالي» بشكل عام بأنها مجموعة أساطير لها عدة روايات لنشأتها، وأوضح الدكتور شرايبي أنه لتحديد أصل الأسطورة فإنه يجب الإجابة عن سؤالين يرتبط أحدهما بوجهة نظر خارجية للموضوع، والآخر يصب باتجاه عمق الموضوع ذاته،
وأضاف المحاضر: بما يتعلق بوجهة النظر الخارجية فهي تعتمد على الحقائق التاريخية للنصوص الأدبية المذكورة في ألف ليلة وليلة، بينما المعاينة العميقة للموضوع فتبدأ من محتويات الكتاب الموجود بين أيدينا وهذا يتضمن المخطوطات والنسخ والترجمات المختلفة لألف ليلة وليلة.
وأشار شرايبي إلى المعلومة البديهية الأولى التي ترتبط بتعلق موضوع ألف ليلة وليلة وجميع حكاياته بشخص وتاريخ «شهريار» الذي يتمحور بالنتيجة بشخصية «شهرزاد» وأضاف: إن حكايات ألف ليلة وليلة تتألف من الرجل غير المحدد المعاني، الشخصية المحركة للأحداث والراوي، وتدور عقدة الحكايات حول مشكلة تتطلب الابتكار والذكاء في إيجاد الحل،
وتجدر الإشارة إلى وجود اختلافات بين نصوص حكايات ألف ليلة وليلة، فعلى سبيل المثال: نسخة محسن مهدي تتضمن 36 حكاية، نسخة البلاق تتضمن 270 حكاية، نسخة أنطوان جالان تتضمن 50 حكاية؛ هذا من حيث الكم، أما من حيث الكيف والنوعية، فهناك مئات من الصفحات تحمل أساطير لها جذور دينية، شخصيات من الحيوانات، مقامات أو اجتماعات، وأحداث خلابة.
وأوضح شرايبي سر تألق وخلود حكايات «ألف ليلة وليلة» باعتبارها تجمع مزيجاً من الامكنة والأزمنة المختلفة، وأن جماليتها تكمن في عشوائية التسلسل في السرد بوجود نظام ذكي بينها يجمع هذه الليالي بأساس راسخ موحد، وأضاف: إن حوالي 30 رواية موجودة في جميع نصوص الليالي بمحتوى وأحداث متغيرة،
وهذا يحيلنا إلى التساؤل حول وجود اختلاف عميق بين نصوص الليالي من عدمه، وآخر حول جدوى الالتزام بروح القصص الموحدة لجميع النصوص؟ وللإجابة عن هذه التساؤلات؛ يجب معاينة تاريخ هذه النصوص ومعرفة كيفية تولدها وتشكلها بالنظر إلى الإثباتات القديمة مثل: المسعودي في مروج الذهب، أصول الخرافات الفارسية مثل كليلة ودمنة، أبو عبد الله في المداحات، أبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة، مخطوطة جينيزه القاهرة، القليوبي عن ابن النديم.
نجد أن محصلة وجهتي النظر تشيران إلى الحقائق الآتية - والحديث للمحاضر شرايبي ـ أن روايات ألف ليلة وليلة هي عبارة عما يُعرف بالخرافات التي تتضمن عدة قصص يتغير أبطالها وحيثياتها وتأخذ مجرى يختلف عن مجرى المواعظ أو التوجيه كما نجد في كليلة ودمنة أو مرآة الأمراء،
كما أن الأساس الراسخ لهذه الروايات يرجع إلى النصوص القديمة التي نجت من التغيرات، وأيضاً فإن تركيب هذه القصص انطلق من هذا الأساس الراسخ لجميعها، ونقطة أخرى تتصل بأخذ هذه القصص نظام كتب الدراسة التي تبدأ بتحديد وتعريف المبدأ المنشود توضيحه لكي يفهم القارئ من أية قاعدة ينطلق، وأن هذه القصص تحمل روحاً تاريخية جديرة بالعيش.
وأضاف المحاضر: بالإشارة إلى ترجمة أنطان جالاند (1704ـ 1717م)، نجد أن النجاح الهائل كان في إعادة طباعة هذه الكتب وترجمتها إلى الألمانية، الانجليزية، الإيطالية، الدانمركية، البرتغالية، السويدية، البولندية، الآيسلندية، الهنغارية وغيرها، كما أن غوستاف لانسون في حلقة خاصة في السوربون عبّرعن «ألف ليلة وليلة» بأنها من أكثر الأعمال التي وضحت الخيال الأدبي في القرن الخامس عشر
كما تم إدراج موضوع ألف ليلة وليلة في مناهج الطلاب في المدارس والجامعات، ومن التطبيقات العملية لهذا الموضوع تدريس اللغة العربية لأكاديمية فيرساي في فرنسا، وبات من الضروري التعريف بألف ليلة وليلة لجميع مستويات التعليم والبحث، كونها تعتبر مرجعا عالميا ونصا لجميع الثقافات.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري
