عندما يظهر بطل عملاق في الصورة ويتحول الى نجم عالمي، تتسلط عليه الأضواء، وتصافحه الأيادي، وربما تخفق له قلوب المعجبات.. بل والمعجبين، وتتغير حياته تماماً، وحياة من حوله. هذا ما حدث تماماً مع بطل المصارعة المصري كرم جابر الذي فاز بذهبية الوزن الثقيل لدورة اثينا الأولمبية 2004، ولرشاقته، وخفة حركته ومرونته الرهيبة، قالوا عليه انه مصارع اسطوري، ووصفوه بأنه «البارع» الذي قهر منافسيه الاقوياء بسهولة واقتدار.
كان كرم مفخرة الشارع المصري والعربي، وكان المواطن أو الانسان البسيط يشعر بالامتنان عندما يرى البطل الفذ وقتها يتحدث على صفحات الجرائد أو في برامج التلفزيون او حتى مجرد رؤية صوره على حوائط العمارات، والتي انتشرت بكثرة، بعد العودة من اليونان.
وليس من قبيل المبالغة ان يقال او يتردد في اعقاب الانجاز التاريخي لكرم.. انه إذا كان قد وجد بعض الصعوبة في الحصول على ذهبية اثينا، فكيف سيكون الأمر صعباً عليه في بكين، وهي التي سيكتسب فيها خبرة ومرونة وحكمة أكبر، بفعل السنين.
بالفعل.. لم يكن هناك أدنى شك في ان نجم كرم جابر سيسطع اكثر واكثر.. وان مستواه سينطلق نحو احراز المزيد من البطولات، وذهب البعض الى انه سيتحول الى بطل قومي. ولكن للأسف.. حدث عكس كل ذلك تماماً. انهار كرم جابر.. وأصبح مارد الأمس قزم اليوم، وبدلاً من ان تنجذب الناس اليه اصبحوا لا يطيقون سماع سيرته بسبب كثرة المشاكل والازمات التي كان سبباً مباشراً فيها، أو غير مباشر.
والغريب ان محاولات انقاذ هذا البطل فشلت كلها لأن رغبته في العودة لكامل مستواه لم تكن متوافرة، ولأن طموحه لم يعد تمثيل بلاده، بقدر انشغاله بمصالحه، وبأهدافه المادية التي جعلته يتنازل عن أشياء وقيم أصيلة في سبيل الوصول إليها.
ظل اتحاد المصارعة المصري يحاول احتواء ازمات اللاعب، ولكنه فشل فشلاً ذريعاً، اذ لم يكن بمقدوره ان يسيطر على رغبات النجم الشهير، أو ان يلبي كل طلباته، الى ان قالها الاتحاد مؤخراً، وبالفم المليان «مفيش فايدة». والواقع ان اتحاد المصارعة لم يكتف بذلك فقط، بل وارسل خطاباً الى اللجنة الأولمبية قال فيها : «نحن نخلي مسؤوليتنا عن السيد كرم جابر،
لأنه لن يكون بمقدوره ان يفعل شيئاً في دورة بكين الاولمبية، ولن ينافس، او يفوز بأي ميدالية، وإذا كانت هناك رغبة لديكم في ان تفعلوا شيئاً، فيمكنكم تولي امره، الان الاتحاد غسل يده منه. هذه الرسالة ليس لها إلا معنى واحد.. وهو ان علاقة الاتحاد المسؤول عن البطل العالمي والأولمبي كرم جابر، انتهت تماماً فكيف له ان يواصل مشواره.
تجربة كرم جابر ينبغي ان تكون محور دراسة واهتمام من الجهات المعنية بصناعة البطل والمحافظة عليه، ليس في مصر فقط طبعاً وانما في مختلف الدول العربية التي لايزال مستوى الرياضة فيها متذبذباً لأسباب كثيرة، منها الثقافة الضحلة،
او الجهل، ومنها ايضاً عدم القدرة على التعامل مع المال عندما يكثر، وكم من بطل أو نجم «ضاع» بسبب الفلوس.اياً كانت الاسباب.. ينبغي الاستفادة من مأساة بطل كان الكل يشير اليه بالفخر.. وفي زمن قياسي اصبح منبوذاً من اتحاد لعبته!.