قال الكاتب والإعلامي اللبناني جورج ناصيف ان التقابل بين الدولة والمجتمع المدني بوصفهما كيانين منفصلين هو تقابل خطر على الدولة والمجتمع سواء بسواء، فالفصل هو سمة الدولة الكلية التي تقطع نفسها عن المجتمع في حين ان ثمة اختلافا في الأهداف والوظائف بين كلا المكونين لا فصلا يفضي إلى التحارب.
وأشار ناصيف الذي استضافه رواق عوشة بنت حسين الثقافي بالتعاون مع ندوة الثقافة والعلوم بدبي إلى ان المجتمع المدني لا ينشأ من ضعف الدولة أو تراخيها أو استقالتها أو تفسخها، فالمجتمع المدني في تحديده الحديث هو وليد قوة الدولة من اجل الموازنة معها ومنع تسلطها والرقابة على حركتها وتحديد ميادينها وصلاحياتها، وان المجتمع المدني لا يمكن ان يحل محل الدولة بفعل اختلاف الوظائف الجذرية.
وكان ناصيف قد قال في بداية محاضرته ان انتقال تجربة المجتمع المدني وتعميمها على العالم الثالث صار مفهوم المجتمع المدني يقدم اجابة جاهزة للعديد من المسائل، فهو الرد على سلطة الحزب الواحد في الدولة الشيوعية وهو الرد على بيروقراطية وتمركز عملية اتخاذ القرار في الدول الليبرالية وهو الرد على سيطرة اقتصاد السوق في الحياة الاجتماعية والثقافية وهو الرد على ديكتاتوريات العالم الثالث وعلى سيطرة البنى التقليدية من عائلية إلى طائفية وعشائرية..
وعن الدولة العربية قال ناصيف: ان الدولة العربية الحديثة تواجه معضلة تكوينية عنوانها انها وليدة حركة الاستقلال العربي على الإمبراطورية العثمانية وقد تبلورت في تزامن مع اندفاع المشروع الاستعماري الغربي للسيطرة على المنطقة العربية. وأشار ناصيف إلى ان الاستعمار لم يتوسل عامل القوة العسكرية لرسم خريطة التجزئة العربية، بل استند إلى عوامل التفكيك الداخلية ونماها وغذاها، توسل مشكلة الأقليات القومية والطائفية والوهن السياسي والاجتماعي والثقافي الديني ورسم كيانات ذات وظائف متفاوتة لكن متكاملة في مجمل مقومات السيطرة الاستعمارية.
وأشار ناصيف إلى انه في المجتمع العربي هناك خلل في العلاقة بين المجتمع والدولة يعبر عنه اما بالتمرد المسلح أو بعزوف المجتمع عن السياسة أو بطغيان التشكيلات المذهبية على المجتمع وإما بالتوتر الصدامي بين الدولة والمجتمع وإما بالضغط الايديولوجي.
وأضاف ناصيف: يبقى الخليج حالة تستدعي قراءة منفردة تأخذ أوضاع كل دولة على حدة وان كانت السمة الغالبة على الدولة علاقة تسالمية عامة، مضبوطة التوتر، بين الدولة والمجتمع، وفي العالم العربي مازالت الدولة الحديثة طرية العود والتكوين وذات اعطاب تكوينية وما زال المجتمع يعاني انشطارات داخلية تمنع تبلوره كمجتمع ذي هوية واحدة وذاكرة مشتركة واحدة..
وقد أثارت ورقة الكاتب والإعلامي جورج ناصيف العديد من الأسئلة والمداخلات لدى الحضور وتناولت أزمة الرهن العربي مع اعتراف كامل بضعف مؤسسات المجتمع المدني في الدولة العربية عن القيام بأدوارها الحقيقية، وارجع ذلك إلى الأمية والى درجات القمع السلطوي والى حالات الامتناع عن ممارسة السياسة كحياة. وكانت الدكتورة موزة غباش قد أدارت الندوة مشيرة إلى أهمية ان المحاضر والمحاضرة التي تأتي في وقت أصبح فيه السؤال كبيرا عن دور مؤسسات المجتمع المدني والحاجة فعلها وتأثيراتها.
تغطية: مرعي الحليان
