ثمة ظاهرة في حياتنا الفنية الثقافية العربية، ظلت مرتبطة بالحراك السياسي ـ الاجتماعي ـ الاقتصادي العربي عبر عقود طويلة.
معظمنا لا يحبذ التقسيم الجغرافي السياسي للوطن العربي الذي جاء وفق تقسيم سايكس بيكو إبان القرن العشرين، والعديد من الحركات السياسية ظلت ترفع شعار الوحدة، وفي رأيي أن الوحدة موجودة بالفعل على أرض الواقع، ولا نحتاج إلى دمج سياسي جغرافي، وفي كثير من الظروف كانت التقسيمات السياسية مفيدة لحركات الحرية والصراع الفكري - الثقافي - الفني بمعنى أن التعددية كانت لصالح الفكر، وأن أي خنق للحريات يتعرض له الأدباء والفنانون في أي بلد، يجد المبدع منفذاً له في بلد آخر، وأي أزمة اقتصادية يمر بها قطر، نجد أن الأقطار الأخرى تكون المنفذ والمرجع الذي يحل تلك الأزمة، ومثلها السياسية، وما إلى ذلك.
انعكست هذه الظاهرة بشكل واضح على الوسط الثقافي والفني، في زمن السادات، حينما ساد الصراع بين مؤيد لسياسته ومعارض، كانت لبنان وسوريا والعراق ملجأ لكل المثقفين والفنانين المصريين الذين رفضوا نهج السادات وخرجوا من مصر، كذلك فإن أزمات العراق السياسية والأمنية جعلت دول الخليج تستقطب معظم المبدعين العراقيين في مختلف القطاعات.
ولعلنا نعود قليلاً إلى تاريخنا القريب، نجد أن مصر وعبر عصور عديدة استقطبت كل الطاقات الفنية والثقافية، واحتضنتهم، بل وأمنت حياتهم ثم صهرت طاقاتهم وإبداعاتهم في بوتقة ذات أبعاد عربية، وإن أعطتها النكهة المصرية المحببة لدى العرب عموماً. ويمكننا أن نستذكر بعضاً من هذه التفاصيل، وهي بالضرورة لا تسيء لأحد بقدر ما تعطينا بعداً وحدوياً، ودوراً ريادياً، لمصر ولبقية الأقطار العربية.
على سبيل المثال نذكر بيرم التونسي، هذا التونسي المولد، المصري هوى وانتماء وعمراً وإبداعاً بل ومدفناً.
في المسرح نذكر أبو خليل القباني، السوري الذي هرب من بطش السلطة العثمانية إلى مصر المنفتحة يوم ذاك، وكان قد واجه ردة دينية سلطوية ضد المسرح، وأسس في بلده الثاني مسرحاً عربياً و أدخل لأول مرة العناصر النسائية في التمثيل العربي، وزميلة مارون النقاش اللبناني الذي ترك لبنان المنغلقة يومها إلى مصر التي احتضنته وأعادت تقديمه لجمهوره، وفي الإمارات نذكر واثق السامرائي، الهارب من جحيم 8 شباط 1963 إلى أرض الإمارات الآمنة وليصبح محطة مسرحية مميزة.
نجيب الريحاني .. العراقي الذي قدم الشخصية المصرية الشعبية كشكش بيك على المسرح، وفيلسوف الكوميديا المصرية الذي تربع على عرشها حتى يوم غد أو بعده. عزيز عيد المخرج المسرحي المبدع، أول من وضع قواعد الإخراج المسرحي في المسرح العربي عملاق من عمالقة المسرح المصري - العربي، ودوره الريادي في تأسيس المسرح المعاصر.
فرقة القرداحي السورية وحركاتها الديناميكية في المسرح.
في السينما كانت العناصر التي وفدت على مصر قد شكلت حراكاً فنياً متميزاً انطبعت به السينما المصرية، خاصة في الأفلام الغنائية، التي ظهرت بها صباح، نور الهدى، أسمهان، عبد السلام النابلسي، فريد الأطرش، بشارة واكيم، سعاد حسني، فائزة أحمد، نجاة، سعاد محمد، نجاح سلام، وردة، ميادة الحناوي، وغيرهم كثيرون أثروا في الغناء وحملوا عبر أصواتهم كل الإبداع الغنائي المصري - العربي وطرزوا الشاشة الفضية بأفلام ظلت حية حتى اليوم.
وهل يمكن أن ننسى الفنان الحلبي أنور وجدي؟! أو رغدة أو حتى يوسف شاهين، وهل يمكن أن نستنكر دور ماري كويني، وآسيا، وفاطمة رشدي، في ظهور ونشوء السينما المصرية؟!
وهل يمكننا أن نستغني عن الناقد والسيناريست الكبير الدكتور رفيق الصبان، الحلبي صاحب التجربة الكبيرة، والتأثير المتميز في الحياة الثقافية السينمائية.
في هذه العجالة استطعنا أن نستحضر أكثر الأسماء شهرة والتي أثرت في السينما والثقافة انطلاقاً من مصر بعد أن هجرت هذه القامات العالية بلدانها هرباً من شيء ما.. واحتضنتها (أم الدنيا) ومنحتها الأمن والأمان والخبز والأجواء المناسبة للإبداع، ثم اعادتهم إلى جمهورهم بحلل جديدة، وبصور براقة، وبأسلوب حضاري، لعلنا لو درسنا كل حالة من هذه الحالات لخرجنا بدراسة مثيرة ومدهشة أمام الحراك الثقافي العربي، ولكن في المحصلة النهائية سنجد أن مصر كانت ولا تزال هي رحم ولود وطبيعي وآمن للإبداع، وأن اختلفت مدن الانتماءات التي تمتد على مدى هذا الوطن من مائه إلى مائه.