أربعون لوحة زيتية قدمها الفنان السفير غسان محسن على صالة العرض التشكيلي في مؤسسة العويس الثقافية في العرض الشخصي الثالث عشر للفنان وهو يحاول تكريس تجربته الفنية في عدد من المحاور التي تتشكل في مبنى تجريدي عام هو قوامٌ أساسي في التجربة الكلية التي يسعى إلى تنميتها هذا الفنان ويؤطرها كخلاصة ونتيجة.
هاجس الفنان السافر هو اللون، وإذا كان اللون من ضرورات التشكيل فإن الفنان غسان جعله أكثر من ضرورة، فلا تجد لوحة إلا وقد اكتظت بوفرة وافرة من الألوان الحارة والهادئة المركزة التي تشكل مشهد اللوحة بل تشكل مشهد المعرض بكامله، وأكاد القول بأن اللون هو مشهد الفنان نفسه، كما رأينا ذلك في عدد من معارضه .
ومن الطبيعي أن نقول إن تقنية اللون هي تقنية اللوحة، واللوحة عند الفنان عبارة عن مجموعة من الأفكار المتشابكة وكلها تقع في المتن السردي المعروض، وليس ثمة ما هو في هامشها، إذ لا يوجد هامش في تقنية اللوحة، فالألوان موزعة بهندسة جمالية على مساحاتها، والمتن الفني يتماسك حتى بوجود عدد من الأفكار المتداخلة، ويبرز هذا النوع الفائض من الأفكار في اللوحات ذات الحجم الكبير.
بينما تنضغط في اللوحات ذات الحجم الأصغر حتى لتبدو الألوان المكتظة وكأنها ستنفر من جسد اللوحة! في بهجة الألوان الساخنة وقوتها تتألق الكثير من المفردات ذات الوقع الأسطوري والشعبي، وتتخلق في تضاعيفها إيحاءات جمالية تتناغم مع واقع غير مرئي، يتوارى كثيراً خلف البهجة اللونية الطاغية في تجريد يخرج من إطاره الأكاديمي ويتوزع إلى مساحات لونية دقيقة، ترصد أو تحدد ملامح واقع مغيّب ليس من العسير تحديده والوقوف عند مضانّه النفسية التي تتفاوت درجات الوعي فيه.
وفي هذه النقطة يمكن القول إن الفنان لا يميل إلى الواقع كثيراً بمعنى التوقف عنده، إنما يميل إلى تجريد الواقع عبر تقنية الألوان وخلق حساسيتها بدرجات عالية، وهو ما يخلق في لوحاته أكثر من فرح وأكثر من بهجة في نافورة لونية تتشظى فتشظّي معها الواقع، من زاويته النفسية والواقعية، وترتقي إلى واقع آخر ينتمي إليه الفنان، إبداعياً، لذلك يحاول التوفيق بين أكثر من طريقة ورؤية ووجهة نظر.
غسان محسن في آخر عروضه التشكيلية يتنقل في تجربة المدينة على نحو خاص، ويتمكن من مفردات الطبيعة فيها على نحو أخص، ولكن بطريقته التي لا يريدها أن تكون واقعية معروفة، فالمدن العربية التي شغلت عشر لوحات تقريباً هي مدن واحدة، لكنها مغلفة بألوانها التي يراها الفنان ولا يراها التلقي العام.
دبي ـ وارد بدر السالم
