مع شخصية بقامة الكاتب البرازيلي باولو كويلو كان لا بد من أن تسير الكلمات بعكس ما يرغب محاوره، فما ان انتهينا من تبادل التحية حتى باغتني بسؤال يعبر عن مدى اهتمامه بجمهوره وبالناس الذين يتحلقون من حوله أينما حط ترحاله الأبدي في النفس البشرية وحاضنتها الجغرافية.

قال: كيف كانت أمسية ليلة أمس- حفل الاستقبال الذي تم في منطقة البستكية- فأجبته بلا تردد أنه كان فوق العادة، فاستطرد بسؤال آخر طالبا مني إعطاءه كلمة واحدة تعبر عن سبب ما ذهبت إليه في وصف الحفل فأجبته أن «اللقاء كان عائليا» ومفعما بالكثير من الألفة، فما كان منه إلا أن أعرب عن دهشة كامنة يبدو أنها ظلت دفينة منذ لحظة انتهاء الحفل وقال تلك هي الكلمة التي كنت أبحث عنها لأصف ما شهدته الليلة الماضية. في صباح يوم أمس كان لنا لقاء آخر مع مؤلف «الحاج كومبوستيلا» وكان هذا الحوار :

* أي موقع تحتله عملية البحث والاستقصاء في أعمالك الأدبية عموما وفي رواية «ساحرة بورتوبيلو» على وجه الخصوص؟

ـ ما يثير اهتمامي أكثر من أي أمر آخر هي التجارب الإنسانية، حيث يتعين علي أخذ العلاقات الإنسانية كما هي في الواقع ومن دون رتوش وبعد أن أكون قد كونت الفكرة ووضعت المسودة الخاصة بأي عمل، فإني أبدأ عملية البحث والتوثيق .

وفي حالة «ساحرة بورتوبيلو»، على سبيل المثال، ثمة أهمية خاصة لموضوع الكلمات، فهناك لدي أثينا التي تأتي إلى مدينة دبي ساعية إلى فن الخط . لكن بعد وصولي إلى هذه النقطة، رحت أبحث في تفاصيل هذا الفن وفي عناصر المشهد الذي كان سائدا في هذه المدينة لحظة وجود الفتاة العشرينية الحسناء فيها. وهذا بالضبط ما يثري تجربتي كانسان تواق إلى التواصل مع الناس بغض النظر عن هويتهم.

* هل تعتقد أن حياتك الصحافية، في بدايات مشوارك الإبداعي، قد فتحت لك رؤية على عالم الأدب؟

ـ أعتقد أن العمل في ميدان الصحافة يساعد كثيرا، يضاف إلى ذلك في حالتي أني خضت في تلك الأيام كذلك تجربة كتابة كلمات الأغاني، حيث يواجه الكاتب حيزا محدودا. أما في كتبي فإني أحاول عرض الفكرة بطريقة شاملة، على أن يترافق ذلك مع روح الشعر أو الشعر نفسه.

وذلك حتى يتمكن الناس من قراءة الكتاب مرة أخرى وصولا إلى استنتاج آخر، بحيث يتولد مناخ تفاعلي بين المؤلف والقارئ، مع الأخذ في الاعتبار أني أترك متعمدا الكثير من الأمكنة الفارغة حتى يتمكن القارئ من ملء تلك الفراغات بمخيلته وذلك في الوقت الذي أثير فيه مقدرته الإبداعية، مما يجعلني أعتقد أن ذلك جانب إيجابي للغاية في عملي الأدبي، ذلك أنه يصب في خانة التفاعل الإيجاب بيني وبين القارئ.

* ماذا عن تحويل أعمالك الأدبية إلى أعمال سينمائية، حيث تظهر تجربة يتيمة عنوانها «الخيميائي»؟

ـ أنا لا أرى رواياتي في السينما بل في تفكير القارئ الذي ينظر إليها كعمل أدبي وليس سينمائيا. أما فيما يتعلق بتجربة «الخيميائي» فلقد كانت تجربتي الأولى في هذا الميدان ودعوني إلى هوليوود ودفعوا لي مليوني دولار مقابل الحقوق الفكرية ولم أقبل.

ذلك أني أعتقد بما أني أؤمن كثيرا بالمقدرة الإبداعية لدى القارئ، فإني أترك بعض صفات شخصيات أعمالي والمناخات التي تتحرك وسطها لمخيلة القارئ نفسه. وهنا لا بد من تثبيت حقيقة تقول أنه على الرغم من أن كل كتاب يحتوي بذاته على إمكانية التحول إلى قصة سينمائية، إلا أنه من غير الممكن تأليف كتاب والقول بشكل مسبق أنه سيشق طريقه إلى عالم السينما، ناهيك عن أني أفضل إتاحة الفرصة للناس حتى يتمتعوا بعالمي الإبداعي.

* لكن إذا كان هناك تجربة سينمائية تلوح في الأفق، فهل كنت لتفضل أن تقوم بكتابة السيناريو بنفسك؟

ـ لا، على الإطلاق. وأنا أفضل شراء تذكرة الدخول إلى السينما ورؤية الفيلم بعد انتهاء العمل فيه كأي متفرج آخر، فأنا في نهاية المطاف أديب ولست كاتب سيناريو.

* كل ذلك السحر في عالمك الافتراضي الذي تغص به أعمالك، هل هو انعكاس لتأملاتك في عالم الروحانيات؟

ـ بلا شك هذا ينطبق على الحياة العادية والأدبية على حد سواء هو انعكاس مباشر لكيفية تواصلي مع الناس وطريقة عيشي معهم اذ ان الاشخاص الذين يحيطون بي هم مصدر القصص التي اكتبها نفسها وهم الذين يعلمونني تفاصيل الحياة ويمكن لذلك الشخص ان يكون سائق سيارة اجرة او اي شخص اخر وفيما يتعلق بالجانب الروحي فإني انظر اليه من زاوية مدى ارتباطه مع الواقع المعايش حيث اعتقد ان الحياة معجزة صرفة.

واذا سلمنا بأن الحياة معجزة فإن ذلك يعني ان كل شيء متصل ببعضه وان الخالق يتجلى في الرجال والنساء .

* ما مدى التأثير الذي تركه الكاتب كارلوس كاستانيدا من الارجواي في نمط حياتك او في اسلوبك الادبي؟

في الأسلوب الأدبي لم يكن لكارلوس كاستانيدا اي تأثير على مشواري الادبي لكن كان لفلسفته في الحياة التأثير الكبير على مسار حياتي في المرحلة التي كنت فيها منغمسا في ظاهرة (الهيبيز) ولا شك بأن رؤيته عن العالم التي تتأرجح بين السحري والواقعي كانت مهمة جدا بالنسبة لي.

* هل يجعلك الاحتفال بمرور 20 عاما على الحاج، ترى ذلك العالم السابق مختلفا عن العالم الذي نعيش فيه اليوم؟

في البداية لابد من التأكد على ان رواية الحاج لم تكن مشهورة مثلما هي عليه اليوم واعتقد انها كانت اداة جيدة لكشف الطريق ولقد ساعدتني كثيرا ايضا في السابق كان لدي فكرة اكثر تعقيدا عن الحياة وعن العلاقات الروحية ومن ثم اكتشفت بعد (الحاج) ان مصيرنا موجود بين اوساط الناس العاديين وانا تغيرت كثيرا عما كنت عليه حين بدأت ابحث عن تحقيق حلمي في ان اصبح كاتبا عندما كان عمري آنذاك 40 عاماً، ومع أنه لا يمكن القول إن ذلك كان وقتاً متأخراً لتحقيق ذلك الحلم، لكنه لم يشكل عائقا، إذ إن حلمي راح يتحول إلى واقع وبدأت اكتب وانشر وبدأت أعمالي تلاقي رواجاً بين الناس.

ولقد فكرت آنذاك بان مسألة كوني برازيليا وليس أميركياً يتكلم الانجليزية كانت ستقف حجر عثرة امام تحقيق حلمي في الكتابة، إذ كان من الصعب حينها أن تترجم أعمالي إلى اللغة الانجليزية واسعة الانتشار والتي يحتاجها الكاتب للوصول إلى العالمية. لكن الوضع اختلف الآن وكتبي منشورة في 75 بلدا. صحيح أن العالم بات أكثر تعقيداً، إلا أنه يسعدني أني احظى بهذه المكانة ، حيث أصبحت أحد أشهر ثلاثة كتاب في العالم وربما الأشهر على الإطلاق، لأنه في حالة «هاري بوتر»، على سبيل المثال، فإن الكتاب أشهر من المؤلف.

لقد طرأ على عالم اليوم العديد من التغييرات وعلى رأسها ما يعرف تزاوج وصراع الحضارات فضلاً عن انه أصبح للمرء صوت. وأنتم تقولون هنا ان السطوة للكلمة أو.. في البدء كانت الكلمة وأنا أؤمن بذلك كثيراً وأحاول احترام تلك الكلمة وإعلاء صوتها.

* هل هناك تواصل ما بين شخصيات أعمالك، على الرغم من أنك تعتبر حياتهم عابرة؟

ـ هناك معركة مشتركة تتمثل في مواجهة أحلامهم وذلك ينطبق على جميع الشخصيات بغض النظر عما إذا كانت تلك الشخصيات طيبة أم لا.

* ما الذي حملك على الكتابة حول حياة الجنون في «فيرونيكا تقرر أن تموت»؟

ـ منذ نعومة أظفاري كان لدي حلم ورغبة في أن أصبح كاتباً أو فناناً، لكن أسرتي لم تتفهمني كثيراً ووصلت في لحظة ما وبدافع حبها لي إلى اتخاذ القرار الشهير الخاص بإرسالي إلى المصح العقلي، لكن، أكرر، كان ذلك بدافع الحب البحت وليس لأي سبب آخر ووضعوني في مركز للعلاج النفسي، إذ اعتقدوا بأني كنت مجنوناً، لكن تلك التجربة لم تنل مني ولم تدمرني، بل على العكس جعلتني أكثر قوة.

كما أن هذه التجربة أكدت على صحة ما كنت على قناعة به أصلاً وهناك قرأت سيرة حياة الكثير من الكتاب، رغم صعوبة اللحظة التي كنت أمر بها وأدركت أني لست الوحيد الذي يتعرض لهذه التجربة وبالتالي فإنه من الممكن للمرء أن ينجو منها. ومع ذلك، فهمت أنه يتعين على الناس الكفاح، حتى يكونوا مختلفين، من أجل ذلك الهدف وذات يوم فكرت بأنه ربما يتوجب على الكتابة حول هذه التجربة، وأهمية ذلك النضال وفعلت لاسيما وأني عشت ذلك شخصياً ولذلك كتبت عن تجربة خاصة، لكني لم أحاول الانتحار قط في حياتي، الحمد الله.

وأحياناً أتساءل حول المكان الطبيعي لنزلاء المصحات العقلية. وهل هو في الداخل أم في الخارج؟

* هل تعتبر أن الخير والشر يندرجان ضمن سلم واحد من القيم قابل للتطبيق على الإنسان في أي مكان من العالم؟

ـ هناك أخلاق. وأنا أتبنى الفكرة القائلة بأنه يجب على المرء ألا يفعل بالناس ما لا يحب أن يفعله الناس معه.

* في «إحدى عشرة دقيقة»، هل بوسعك القول إن روح ماريا لا تزال عذراء، على الرغم من كل التجارب التي تعيشها في الرواية؟

ـ نعم بكل تأكيد.

حوار: باسل أبو حمدة