لم يبق سوى بريق واهن في قلبي
التقيت بك ـ الخل الوفي ـ بعد فراق دام ثلاث سنوات، لم أعرف خلالها عنك شيئا، سوى إنك سافرت، ولم تعد.. استقر خيالك في حفائر النسيان. كل منا يحمل سلة صغيرة يجمع فيها ما يقتات به. سألني: ماذا فعلت خلال سنوات غيابي ؟! أجبت: ابتليت، بالعشق والجنون . لا فكاك لنا من الكتابة، سوى بالموت. لن ينقذنا من الفناء أو الاندثار، سوى.. امرأة.
أطرق، ثم قال :
البلاء.. اختبار لك. عقبت كأنما أحدث نفسي: اختبار قاس فوق طاقتي، نحن بشر، أنا آدمي.. ضعيف. من منا يعيش بلا امرأة، نصف امرأة، بعد هذا البلاء، أصبت بمرض التوحد، ولم يك أحد بقادر على أن يخرجني من هذه العزلة.. سوى هي. سألني عندما توقفت: هي من؟! أجبت: صدفة.. برقت في قلبي مرة واحدة، لمحة، ولم يخب البريق. الصدفة لا تأتي إلى باب البيت وتطرقه.. ثم تدخل علينا. منذ ذلك الحين.. ظللت حائرا، ابحث عنها، في كل الطرق، أجوب الشوارع والحواري والأزقة مثل أسارى الظلمات.. ظللت على هذه الحال ثلاثة عشر يوما، واثنتا عشرة ليلة. لم التق بها حتى التقيت بك. . .
سألني سؤالا صعبا، أتحبها ؟. لم أجب.. حملني السؤال بعيدا إلى بحار الحيرة.. حيرة السؤال تعاودني مرة أخرى، مرارة الجواب كأمنية عذبة تموت وهي على طرف اللسان.. قابلتها ذات مساء. يا من يعز علينا.. انقذيني من الحيرة، من الموت.. والجنون!! جاءت ذات مساء حزين لتسألني سؤالا صعبا. هل سنلتقي في منتصف الطريق؟! ظللت طوال الليل مع حيرة السؤال. حيرة السؤال.
سؤال صعب لم أجد له الجواب، ظللت ابحث في كل الطرقات. أفتش في خلايا الذاكرة عن الجواب. أمل في نفسي. حلم حياتي. فكرة في ضميري. هل وجدته. لا، لم أجده.. هيه.. ماذا حدث لك بعد ذلك؟!. في الصباح الباكر الندي الحنون، بحثت عنها في كل الدروب، لأعطيها الجواب، لم أجدها. كانت معي ولم أجدها.
تذكرت قول شاعر قديم: إذا ترحلت عن قوم ـ ماذا فعلت؟ كل مساء كانت هي تبرق في داخلي، يلتمع ضوء خافت، باهت، حنون، مياه بئر تضوي في الأعماق البعيدة، لا أستطيع الوصول إليها.. كلما اقتربت ألامسها بأطراف أصابعي، أحاول الإمساك بها، أجدها تفر من بين أصابعي المرتجفة!!. هل هذا حلم، هل كنت تحلم، تتخيل أو تتذكر، أنا لا أعرف ما الذي حدث لي، كنت في حالة تشبه شطحات الصوفية ومقاماتهم. هل مازلت مريضا بالتوحد.. لا فرق، لا فرق بين الاثنتين. لكنني كنت واثقا أن البريق في الأعماق، يضوي في القلب، يلتمع.. ولا يتوقف.
وإنني سوف أصل إليه وأمسك به وأعرف الجواب على السؤال الحائر. ما الذي حصل لك بعد هذه الهلوسات. هيه.. عشت أياما كئيبة بين الجدران الأربعة، هذا الحبس الانفرادي، المنفى الاختياري.. مكثت زاهدا في كل شيء من العلائق الأرضية التي تشدني نحو المنحدر، حرث الدنيا ومباهج الحياة. نحل بدني، أصابني الوهن والضنى، دخلت عالم التوحد. تقصد العزلة. بعد حالة التوحد والعزلة.
بدأ الغياب.. كانت هي من أصعب مرحلة أمر بها في صومعتي، مقبرتي الدنيوية التي أقيم فيها.. هذا الابتلاء وهذه الشدة أو المحنة، ماذا حدث لك؟. كل ليلة ظلماء، أجري وألهث وراء هذا البريق الخافت في الأغوار البعيدة، أجد الليل يغشى النهار ولا ينتهي أرق السؤال. وفي الصباح.. أخلع النعال وأمشي حافيا في الأسواق. كدت أقترب من مقام الجنون. أنا مازلت في مقام العشق.. الوردة في يد العاشق، امرأة.
سألت عنها لتحصل على الجواب؟ سألت كل الحيارى، كل من جلس في حضرتها من أسارى الظلمات، كل من عشقها مثلي.. قال لي الخل الوفي : لماذا تبحث عنها بالذات، ألم تجد أخرى تشبهها؟! وضحك بمرح طفولي، فطري، واستكمل: توجد آلاف الصدف ستقابلهم في منتصف الطريق، نصف المسافة، كما تريد أنت.
لم أهتم بالجواب، قلت له: هي، لا أريد آلافا غيرها، أريد صدفة واحدة تشكل حياتي من جديد، تنير طريقي في دياجير الليل المعتم، البريق.. الذي يلتمع في قلبي. هي. هي. الجواب. الحلم. الأمل. الشفاء. دواء العليل.. من حيرة السؤال وأرق الليل. الخروج من أزمتي وحالتي المتردية منذ ثلاث سنوات. منذ أن سافرت أنت.. أنا الزاهد أسير في حضرتها حتى يتلاشى أرق الليل، وحيرة السؤال .
عافت نفسي الطعام والشراب . لم يبق سوى بريق واهن في قلبي. لا شيء يحمينا من الفناء.. سوى الكتابة. كيف يمضى الرجل في الطريق، دون امرأة؟!. لا شيء يحمينا من الموت أو الجنون سيدتي. الوردة في يد العاشق. إن لم تأت صدفة، في منتصف الطريق، وينتهي الأرق، سوف أصاب بالجنون.
ربي. . هبني القدرة على أن أنام. هبني القدرة. على. أن...