عبر الأديب إبراهيم الكوني عن اغترابه في ختام الندوة التي أقيمت مساء أمس الأول في مركز المعارض في إطار فعاليات معرض أبو ظبي الدولي للكتاب.«الاغتراب» تجلى في عدم فهم الجمهور لمصطلح الصحراء في إبداعاته قال الكوني بعد أن عبر عن استغرابه بأن الحضور لم يكونوا قد قرأوا ولو عملا من أعماله:
«تحدثت عن نظرية الصحراء وقلت وجهة نظري كمبدأ مرادف، وأولها الحرية رسالتي استعارية وليست حرفية، وإذا أخطأت النظرية، فالجوانب الإبداعية تغفر لي». والأمسية أقيمت بحضور مترجم أعماله هارتموت فيندريش وجاءت بعنوان «الصحراء هي الكون» أدار الحوار الكاتب ناصر الظاهري واصفا الكوني «بأنه المهاجر على صحراء تضمه، كان في رحليه السرمدي، ساندا على عصا تساند يمينه، يتبع منها أثر من مروا، يعطي المدن ظهره. الآخرون ينظرون للصحراء لعنات من النير والعزلة، والأساطير».
كما أشار الظاهري مختزلا حياة تاريخ الكوني «بأنه كاتب ليبي من أغزر العرب إنتاجا ولد عام 1948 في واحة غاداميس، وترعرع حسب العادات الاجتماعية للطوارق، أمضى طفولته في الصحراء حيث تعلم اللغة العربية قراءة وكتابة في الثانية عشرة من عمره درس الأدب المقارن في موسكو وعمل فيما بعد صحافيا بين موسكو ووارسو، للكوني أكثر من ستين مؤلفا ترجمت جميعها إلى أكثر من عشر لغات عالمية حاز على تسع جوائز أدبية مرموقة»، من إصدارته التبر، نزيف الحجر، واو الصغرى، في طلب الناموس المفقود، نصوص الخلق، أمثال الزمان، عشب الليل، المجوس، سيرة أنا الكوني بلسان الصمت، ملكوت الرب، ونداء ما كان بعيدا».
من الصحراء كانت بداية إبراهيم الكوني قال: «الصحراء هي الكون، هي العالم أو هي الوجود كلها أسماء عدة لرمز واحد، وإذا كان الوجود حرفة بين المبدأين الزمان والمكان فما مدى أحقية الصحراء في الانتماء إلى هذين المبدأين هل الصحراء زمان بالمعنى التقليدي أم شيء آخر، وهل الصحراء مكان بالمعنى التقليدي أم شيء آخر، ذلك المكان الذي لا يمكن أن نحيا فيه بالمعنى المتعارف عليه، فالصحراء مكان « ميتافيزيقي» ولا يمكن أن يكون صالحا للإقامة.
والبشرية انقسمت منذ الخليقة الأولى إلى قسمين مختلفين متناقضين امة عابرة مهاجرة، وأمة قابيل الأمة الدنيوية المستقرة الأمة الأولى النبوءة، لأن العزلة تنتج التأمل والتأمل ينتج النبوءة».
وأكد الكوني «أن الصحراء ربة للتأمل والعزلة وطنا للرؤى السماوية، والذي يحدث أن النبوءة تنزل من رحاب الحرية بحسب المفهوم «الكانطي» وعندما تنزل إلى حضيض الواقع تنحرف، ونحن نعرف أن الجسد مجبول بالخطيئة، فعندما تنزل إلى أرض الواقع لا بد أن تتخذ شكلا والحرفية موت بحسب القديس بوليس إذ قال: «الحرف يميت والروح تحيي» هذا سر الشكوى الأبدية الخالدة بين النظرية والتطبيق، فالنظرية جميلة لكن عندما تطبق تحدث الكارثة».
وانتقل الكوني للحديث عن الحضارات قائلا:
«يتهم ابن خلدون البدو بأنهم يدمروا حضارات وليسوا ببناة حضارات لا يقول لنا لماذا والسر في العقل الواعي وهذا ما حدث في حضارة مصر القديمة والحضارة السومرية التي دمرها الأكاديون، وحدث هذا عندما دمر المغول أوروبا وبغداد، هذه النزعة الانتقامية لدى القبائل، أو الأمم العابرة ضد المستقرة».
ويعود الكوني إلى نظيرة الصحراء قائلا: «نظرية الصحراء كما يجب أن ترى، لا كما يراها الكثيرون، ومع العلم أن البلاد العربية كلها صحراوية لكنهم يجهلونها، والإنسان عدو ما يجهله يكتبون وينسون وطنهم الذي كان مهدا لكل النبوءات والحضارات».
وبعد صحراء إبراهيم الكوني عرف الظاهري بمترجم أعماله هارتموت فيندريتش الذي درس الفلسفة السامية والدراسات الإسلامية والأدب العربي والمقارن، في جامعات ألمانيا والولايات المتحدة ويعتبر من أشهر المترجمين الذين ترجموا الأعمال العربية إلى اللغة الألمانية حيث ترجم أكثر من أربعين عملا من الأدب العربي المعاصر، من بينها أعمال جمال الغيطاني، إميل حبيبي، وسحر خليفة ويتحدث فيندريتش عن الكوني الكاتب المسكون بالصحراء:
«بدأت بترجمة أعماله منذ بداية التسعينات ويجذبني إلى الكوني أنه يتحدث عن الصحراء، كنت قد ترجمت للكثيرين من الكتاب العرب لكنهم لم يكونوا قد كتبوا عن الصحراء بعكس ما يعتقد الناس في أوروبا، وعنده وجدت وصفا تفصيليا للصحراء وللحياة الصحراوية، وجدت المعنى الرمزي، ووجدت شيئا عرفته منذ طفولتي وهو المعنى الصوفي».
وعند جوابه عن سؤال سأله أحد الحضور عن آلية الترجمة أي عن كان المترجم يترجم النص مستقلا عن كتابه أم يعود إلى الكاتب قال:
«الاثنين أترجم من النص، وفي نهاية الترجمة أنا أتوجه إلى الكاتب وأناقش دائما وقتا طويلا، فهناك الكثير من الكلمات كانت مجهولة لأنها من التقاليد الصحراوية، ولم أكن قد ترجمت من قبل مواضيع كهذه فأعمال الكوني تحديدا حافة بين حضارتين العربية الإسلامية من جهة، والإفريقية من جهة أخرى».
أبوظبي ـ عبير يونس
