يتردد كثيراً أن السباح ذا الأقدام والذراعين الكبار يتعرض عادة للغرق إلا إذا كانت لديه القدرة والعزيمة على قلب هذه المعادلة إلى الإيجابية. على أن كل هذا السيناريو لا ينطبق على السباح الأميركي مايكل فيلبس الذي منحه العالم لقب أفضل سباح في تاريخ هذه الرياضة، وحصل على هذا اللقب كونه يسعى للإبداع والتفوق في كل سباق يخوضه وكأنه آخر بطولة له.

كذلك يعتبره النقاد في مقام أحد نجوم الروك وسط بقية السباحين وهو ما يردده الجمهور خلال مشاركاته العديدة والزوبعة الإعلامية التي تصاحب نزوله الماء من صحف وقنوات البث التلفزيوني. أما هدف السباح الحديدي مايكل ومقصده الأول فهو أن يتحول إلى المثال الذهبي للأجيال القادمة من السباحين،

ومع كثرة مشاركاته إلا أن علامات الإرهاق لم تظهر عليه خلال مشاركته الأخيرة في بطولة العالم التي تنظمها ملبورن الأسترالية حيث حطم الرقم العالمي في سباق 200 متر حرة معيداً كتابة تاريخ هذه المسافة رغم أنه حامل هذا الرقم العالمي، وحتى كتابة هذه السطور أحرز ميداليتين ذهبيتين في ملبورن ويحلم بتحقيق ثماني ذهبيات.. فماذا هو فاعل؟!

وُلد مايكل فيلبس في 30/ 6/ 1985 من والده فريد ووالدته ديبي ولديه شقيقتان أكبر منه هما هيلاري وويتني. وتقيم العائلة في ميريلاند خارج بالتيمور، وكان والده فريد يعمل مدرباً بالولاية والوالدة معلمة في المرحلة المتوسطة.

الأمر المدهش أن الإخوة الثلاثة أبدوا اهتماماً بالسباحة منذ سن مبكرة وعلى رأسهم الشقيقة ويتني التي حاولت الالتحاق بالمنتخب الأولمبي لألعاب 1996 إلا أنها لم تتأهل لذلك وهي في الخامسة عشرة لعدة إصابات في الظهر أجبرتها بعد ذلك على الابتعاد.

ومشى مايكل على خطى شقيقتيه في عالم السباحة، وعندما شاهد أولمبياد أطلنطا 1996 بدأ اهتمامه الحقيقي بالجانب التنافسي للسباحة.وخلال تلك الفترة بدأت حياة مايكل الأسرية في الانهيار إثر طلاق والديه عام 1992 وانتقل الأطفال للإقامة مع الوالدة ديبي التي ازداد التصاق مايكل بها إلى أن فقد كل صلة مع والده، مكرساً كل وقته وجهده للسباحة.

وبحلول عام 1996 أصبح جلياً حاجته للإشراف التدريبي المحترف فالتحق بنادي السباحة في شمال مدينة بالتيمور، وهناك التقى مع بوب بومان الذي اكتشف مباشرة مهارات فيلبس الكامنة. وفي فترة شبابه الأولى مارس فيليبس العديد من الرياضات الأخرى منها البيسبول، كرة القدم، والسوكر بشكلها الأوروبي بالإضافة إلى ممارسته الغولف خلال المدرسة الثانوية.

لكن لحسن حظ العالم أن هذه الرياضات لم تلتصق به كما فعلت السباحة، فبدأ التدريب عليها بواقع عشر مرات كل أسبوع. وفي عام 1999 التحق فيلبس بالمنتخب القومي الثاني للسباحة فتطور مستواه مع مرور الوقت محطماً عدداً من الأرقام القياسية.

وبحلول عام 2000 ضمن لنفسه مكاناً مع منتخب بلاده الأولمبي ليصبح أصغر شاب يتأهل لتلك المرحلة منذ 68 عاماً، وفي الأولمبياد أحرز المركز الخامس في سباق 200 متر فراشة وأنهى العام في المركز السابع على العالم في السباق نفسه والمركز 44 في 400 متر تتابع.

أما عام 2001 فكان موسماً مميزاً لفيلبس وفيه حقق الرقم القياسي العالمي في سباق 100 متر فراشة ومعه أول ميدالية دولية له في بطولة العالم بمدينة فوكوكا اليابانية محسناً رقمه الشخصي في سباق 200 متر فراشة. وفي العام نفسه ضحى بمستقبله الجامعي معلناً تحوله إلى محترف. وعندها قدمت له شركة «سبيدو» عقداً للرعاية ومبلغاً مكوناً من ستة أصفار تحول بعدها إلى ظاهرة.

وواصل فيلبس تحطيم الأرقام القياسية، وبنهاية الموسم أصبح بطل العالم في ثلاث مناسبات، وعندها فقط بدأت المقارنة بينه ومايكل ثورب السباح الأسترالي الشهير الذي أعلن نفسه المهيمن الأوحد في أولمبياد 2000 ولم تتوان الصحافة في متابعة هذه الظاهرة وأعلنت أن فيليبس هو المنافس الوحيد لثورب على عرش السباحة، أما فيلبس نفسه فقال إن مقارنته بثورب شرف عظيم يفخر به.

في عام 2003 تخرج ثورب في المدرسة الثانوية، وعندها رمى بثقله كاملاً في الرياضة ليصبح السباح الوحيد الذي يحقق الفوز في ثلاثة من أنواع السباحة خلال بطولة واحدة بالولايات المتحدة وهي بطولة سبرينغ الوطنية بعد فوزه بسباق 200 متر حرة، 200 متر ظهر و100 متر فراشة.

وخلال استعداداته للمشاركة في بطولة العالم ببرشلونة وجه له المدرب الأسترالي دون تالبون إهانة مفادها أن مقارنته بثورب مجرد هراء، واستغل مايكل موجة الغضب التي انتابته لمصلحته مركزاً على التدريبات الشاقة ثم توجه إلى البطولة ولديه المزيد من الحوافز لتحقيق الفوز. وبالفعل حصل على ميداليات في ستة سباقات محققاً خمسة أرقام قياسية عالمية.

ومع اقتراب نهاية العام تحولت الهالة المحيطة بمايكل إلى مستوى الحمى واصطف الممولون وخبراء التسويق أمام بابه والأولمبياد على بعد عشرة أشهر، ومددت شركة سبيدو عقدها معه إلى عام 2009 بقيمة 9 ملايين دولار.

وبدأ مايكل عام 2004 بطريقة رائعة محققاً خمس ميداليات ذهبية في بطولة كونكو الوطنية ولم يكتف بهذا الإنجاز الكبير فواصل العمل على تحسين تقنيته بمساعدة مدربه بومان لكن آلاماً في المعدة أجبرته على الانسحاب من بطولة الغراند بري في انديانابوليس ثم تفوق عليه السباح آرون بيرسود مرتين في بطولة سانتا كلارا الدولية.

وأصبح لزاماً على مايكل التركيز في ذلك الموسم على أولمبياد أثينا 2004 وبالفعل كانت افتتاحيته فيها أكثر من رائعة، فأحرز الذهبية في سباق 400 متر، لكن لم يوقف زحفه نحو إحراز ثماني ميداليات ذهبية سوى احتلال جنوب إفريقيا وأستراليا المركز الأول في سباق تتابع 4 ـ100،

ولاحقاً أحرز برونزية 200 متر حرة ثم حقق الأميركيون إنجازاً طيباً بالفوز بذهبية 4 ـ 200 متر تتابع أما على الصعيد الشخصي فقد حقق فيليبس ثلاث بطولات في 200 متر و100 متر فراشة و200 متر حرة، محرزاً رقمين قياسيين عالميين من هذه الثلاثة.

ومن المواقف النبيلة التي عرفها العالم عن فيلبس أنه تخلى طوعاً عن موقعه على حافة المسبح لزميله إيان كروكر في سباق 4 ـ 100 تتابع باعتبار أن فرصة كروكر كانت أوفر في تحقيق الميدالية الذهبية لفريق الولايات المتحدة وأنهى مايكل مشواره الأولمبي بحصد ست ميداليات ذهبية وبرونزيتين.

وبعد عودة مايكل إلى الولايات المتحدة توجه للمشاركة في جولة «اسبح مع النجوم» للترويج لرياضة السباحة بين الأطفال، وشارك معه زملائه ليني كرايزيلبيرغ وإيان كروكر، وإلى جانب ذلك ظهر في العديد من البرامج التلفزيونية وشارك في احتفالات افتتاح بطولة «رايدر كب».

هذا النشاط الوفير دفع ثمنه آلاماً متكررة في الظهر أجبرته على الانسحاب من بطولة العالم للمسافات القصيرة في إنديانا.يقول مايكل إن هدفه الأسمى هو ترويج ونشر رياضة السباحة وجعلها أكثر من مجرد مناسبة تلفت انتباه العالم مرة كل أربع سنوات في المونديال المائي.وأضاف انه يرغب في تغيير هذه الرياضة مثلما فعل مايكل جوردان في كرة السلة وتايجر وودز مع الغولف، وهو رأي يعتبر الكثيرون أنه أفلح في تحقيقه بنسبة كبيرة حتى الآن.

قالوا عنه

* «لا أعتقد أننا شاهدنا سباحاً مثله ولا يوجد شخص يبدع مثله في كل المناسبات».

هذه أقوال ليني كرايزلبيرغ نجم السباحة الأميركي الحاصل على الذهبية الأميركية.

وأضاف كرايزلبيرغ: «لا أفكر فيه كواحد من أعظم سباحي العالم على مر العصور، بل كأفضل رياضي على الإطلاق. وما يحققه مدهش فعلاً».

* قالت عنه السباحة الأميركية ناتالي كوغلين: «أحسده كثيراً على الثقة المفرطة التي يتمتع بها».

* علق مدربه بوب بومان على إنجازاته بالقول: «مايكل سباح يسهل تدريبه في كل الأوقات، وهو يدرك ما يريد وما يطلبه منه المدرب، ويتمتع ببنية ناضجة تصلح تماماً لرياضة السباحة ومعها مقدرة مدهشة على الاسترخاء والأداء عند الظروف الصعبة تحت الضغط أفضل من أي رياضي عملت معه، ولا يسمح لشيء بتعطيل تقدمه، بل وأعتبره مخلوقاً مائياً لا يرغب أحد في إخراجه إلى اليابسة».

* وعنه قال العداء الأميركي الشهير إدوين موزس: «يبدو الأمر معه كأنه يصارع نفسه للفوز على فريق بأكمله، والفرق الوحيد أنه وحش لا يُقهر في الماء».

* قال عنه السباح الأميركي نيت دوسينغ: «لا يوجد سباح قادر على إيقافه حالياً وهو في تطور مستمر».

* علق السباح الأسترالي الشهير إيان ثورب على فيلبس قائلاً: «أراه باعتباره موهبة غير معقولة في السباحة وأكنّ له كل الاحترام الواجب».

* وكان بيتر كارلايل وكيل أعمال فيلبس آخر المعلقين عنه قائلاً: «مرة كل حقبة من الزمان نشاهد رياضياً قادراً على تطوير نفسه وإعادة صياغة مواهبه، وفيلبس أحد هؤلاء الرياضيين».

محمد سيف النصر