في حياته وبعد رحيله جمع نجيب محفوظ الملايين من القراء حتى وصل معهم الى جائزة نوبل للآداب في العام 1988، سيرة الحياة التي قضاها في نظام صارم أشبه بالنظام العسكري في عاداته اليومية وجد فيها الآخرون فرصة لضبط ساعاتهم الوقتية، حتى ذلك الشاب الجاهل الذي دفع دفعا لقتله وقت فرصته على ميعاد خروجه من منزله..العالم الذي تتبع إبداعات شكسبير العرب، والكاتب العالمي، من جملة الألقاب التي أطلقت عليه لا يزال ينبش في كتاباته الروائية عن تفاصيل غائرة في الحياة وفي الشخصية الانسانية وتقلباتها ويبحث ايضا عن نجيب محفوظ نفسه بين سطورها.

.لكن المحيطين والمقربين من محفوظ في سنواته الاخيرة حتى ايام مرضه واحتضاراته بدأوا يقلون، اصدقاء جلساته في مقهى الفيشاوي، زملاء دربه، طلبته ومريديه، مناكفيه ومشاغبيه، شلة الحرافيش وزملاء طفولته..كلهم انفض بهم سامر هذا الاديب العبقري ليقترب منه اثنان اقترابا كبيرا في لحظاته الاخيرة.. هما الروائيان جمال الغيطاني ويوسف القعيد، وهذا الاخير لازمه الاحتضارات الاخيرة.

مساء امس الاول جلس الاثنان على طاولة الندوة التي استضافتها مؤسسة سلطان العويس الثقافية بحضور نخبة من محبي ادب الاديب الراحل محفوظ وكان على رأسهم الاديب محمد المر رئيس مجلس دبي الثقافي وبلال البدور الوكيل المساعد لشؤون الثقافة بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع.. قدم الندوة الدكتور ابراهيم السعافين مشيرا في بدايتها الى العلاقة الكبيرة والحميمة التي تربط المحاضرين بالاديب الراحل والتي بدأت في اطار المعلم والتلميذ ثم وصلت الى درجات قصوى من التقارب حتى صارت عند الروائي القعيد الى حد الاختلاف، لكنه الاختلاف الفكري الانساني الجميل الذي يبني ولا يهدم..

تحدث الغيطاني والقعيد عن تفاصيل علاقتهما بنجيب محفوظ وفي صوتيهما شجن وحنين وبقايا بكاء فقد وخسارة ورغم هذا كانا اكثر عقلانية في سبر اغوار العلاقة والشراكة والمناخات الادبية التي ربطتهما بالاب الروحي..

تذكر الغيطاني الصدفة التي جمعته مع عملاق الرواية العربية حينما كان في السادسة عشرة من عمره على قارعة الطريق، تذكر قامته ذات الهيبة، وقال لم يكن جسم نجيب وهيئته بالشكل الذي آل اليه مؤخرا، انه عملاق ورياضي من الدرجة الاولى تعرفت اليه ودعاني الى ندوة دار الاوبرا ومنها بدأت انصت اليه كتلميذ، سألني ذات يوم: لماذا تكتب؟ فاجبته اكتب لأني اريد ان اكتب ومن يومها سارت بي العلاقة الى منتهاها..

وقال ايضا: كنت مغرما بقراءة الادب الاجنبي ولا ارى غيرها ولكن وقعت عيني على روايات وقصص تحمل اسم الامكنة التي اعيش فيها، فأثارني الفضول وبدأت اقرأ لهذا الكاتب المصري فوجده بقامة الذين اقرأ لهم، تولستوي ودستويفسكي واخرون عملاقة اجانب..فبدأت رحلة البحث عن محفوظ الى ان تعرفت على وجه من صورة كانت تحملها مطبوعاته..

وتحدث الغيطاني عن ندوة دار الاوبرا التي كان يترأسها محفوظ وسط مجموعة من المثقفين والمحبين والادباء ضمت الاديب اليمني باكثير وثروت اباظة وصبري الموسى وسليمان فياض واحمد نوح وكيف لو انه قدر لما يدور فيها ان يسجل او ان يحفظ لتركت قيمة ادبية كبيرة تستفيد منها الاجيال..وقال الغيطاني: كان محفوظ يميل كثيرا الى التأمل وكان يحكي لي ان والدته كانت تروي له حكايات من خيالها.

وقال عنه الاديب الوحيد الذي عاش لا يمتلك مكتبة كبيرة في شقته الضيقة المتواضعة، وانه الوحيد الذي لا يمتلك نسخا من مخطوطات اعماله الأدبية «الأصول»، وقال الغيطاني: محفوظ انطلق من مكانه ومن بيئته، لم يسافر الا ثلاث مرات وكان مأمورا في ذلك ولم يتنقل كثيرا ولم يدخل سفارة من سفارات الدول في بلده، علمني حب القاهرة القديمة، لا يختلف مع من يغايرونه في الاراء ومنتقديه، كان يتقبل الرأي المغاير ويصر على سماعه..

اما الروائي يوسف القعيد فقد بحث بنفسه عن نجيب محفوظ فوجده في مقهى ريش ومن هناك بدأت علاقتي به، كان رجلا نظاميا وصارما في عاداته حتى عندما جاءته جائزة نوبل لم تحرك فيه ساكنا، ذهب في ذات اليوم الذي اعلن فيه فوزه الى موعده في المقهى وجلس مع اصدقائه، محفوظ كان يعرف ما يريد، وكثير من اعماله، ولأنه لا يحتفظ بالاصول انتقص منها، حتى رواية اولاد حارتنا لم تنشر كاملة.

وقال القعيد: قيل عن محفوظ انه توقف عن الكتابة ما بين العامين 52 و57 لكن هذا لم يحدث ففي هذه الفترة انتج محفوظ سيناريوهات عدة افلام تعد من اهم افلام السينما العربية في تلك المرحلة، واضاف: كان للاديب الراحل اعجاب كبير بالسادات، وايضا كان يشعر بالسعادة لأن اهم اعماله خرجت للنور في عهد عبدالناصر.

وبالنسبة للكتابة فقط كانت له مصيراً، لم يكف عن القراءة وكان يبحث دوما عن الروايات الجديدة ويطلب منا ان نلخصها له، حتى في ايامه الاخيرة حينما كف بصره كان يحرص على ذلك..وتحدث القعيد عن الاشكال الذي واجهته رواية محفوظ «أولاد حارتنا» التي البت عليه المواجع وكانت سببا في تعرضه لمحاولة الاغتيال، كما تحدث عن الذين كتبوا فيها تقريرا أدى الى منعها من النشر.

حضرت تفاصيل يوميات الاديب الراحل نجيب محفوظ على لسان القعيد والغيطاني وكأنها تحضر في كتاب لا يتناول سيرة حياة، بل تستقرئ بدقة متناهية المفردات البيئية التي تشكلت رموزا ودلالات في اغلب اعماله الادبية.

تغطية ـ مرعي الحليان